Kawakib
الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Publisher Location
بيروت-لبنان
Genres
وفي الثاني بلفظ المضارع قلت لأن الوعي في الأول حصل قبل الصم ولا يتصور بعده وفي الثاني الوحي حالة المكالمة ولا يتصور قبلها أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة أو تقول لفظة قد تقرب الماضي من الحل وأعي فعل مضارع للحال فهذا لما كان صريحا يحفظه في الحال وذاك يقرب من أن يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات والله أعلم. الخطابي فيفصم عني أي ينجلي ما يتغشاني من الكرب والشدة والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه ﷺ تغشاه كرب وذلك لشدّة ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن حفظه فيعتريه لذلك حالة كحالة المحموم وهو معنى ما يروى أنه كان يأخذه عند الوحي الرحصاء أي العرق وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند الوحي هي شدّة الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة أو ذلك لما يستشعره من الخوف لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه أو اعتراض خلل دونه وقد أنذر ﷺ بما ترتاع له النفوس ويعظم به وجل القلوب في قوله: تعالى «ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين» وأقول حاصله أن الشدة إمّا لحسن حفظه وإمّا لابتلاء صبره وإما للخوف من التقصير قال وأما قوله: «يأتيني مثل صلصلة» فإنه يريد أنّه صوت متدارك بسمعه ولا يستثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقنه حينئذ ويعيه فكذلك قال هو أشدّه علي وقيل الحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه ﷺ ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه قال الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى في شرح المصابيح هذا حديث يغالط فيه أبناء الضلالة وحاصل القول فيه أن نقول كان النبي ﷺ معتنيا بالبلاغة مكاشفا للعلوم الغيبية وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فإذا أريد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوا ما لم يشاهدوه فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها في المشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيها على إثبات ما يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها لمجامع القلب ويلاقي من ثقل القول مالا علم له بالقول مع وجود ذلك فإذا وجد القول المنزل بينا فيلقى في الروع واقعا موقع المسموع وهذا معنى قوله: فيفصم عني وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنها سلسلة على الحجر فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير هذا وتبين لنا من الحديث أن الوحي كان يأتيه على
1 / 29