Jinusayid
جينوسايد: الأرض والعرق والتاريخ
Genres
كان هنالك دفع للمجتمع بكل الوسائل إلى تقبل تلك المعاملة مع اليهود والمحاولة لدفعهم إلى فعلها بشكل طبيعي لتخرج القضية من بوتقة رؤية نظام الحكم إلى بوتقة الشعب والمجتمع الرافض لوجود هذا العنصر الغريب، لم يكن هناك مجال للإصلاح؛ فاليهودي يبقى يهوديا في أعينهم مهما كان ودودا ومهما كان مواطنا صالحا، ولا يوجد عليه أي تهمة أو حركة ضد النظام، لكن مجرد كونه يهوديا فهذه هي الجريمة التي يجب أن ينال أبشع العقوبات والتعامل القاسي بسببها! كانوا يصفون اليهود بالأورام السرطانية والآفات والحشائش التي لا يؤبه لها، رغم أنها لم ترتكب خطيئة، بل تعيش وفق طبيعتها وحسب، ولا يوجد شيء تعاقب على فعله، لكن طبيعة شرها تستوجب استئصالها.
بقيت المرأة العجوز لا تستطيع النهوض، ولا أحد يقترب منها ليساعدها، شعر مايكل أن أمامه مهمة أخلاقية يجب القيام بها مهما كلفه الأمر، مد يده إليها فرأى ابتسامة رسمت في وجه قد حفر الزمن فيه أخاديد متعرجة وملأت تلك الأخاديد الدموع، دموع من لا قوة لها حتى تنهض وتكمل طريقها، وضعت يدها الباردة على يد مايكل، وأثناء محاولته إيقافها على قدميها عاد الشاب نفسه وصاح بالناس: انظروا انظروا، هذا مشهد حقيقي أمامكم لو لم تكن المرأة يهودية لما ساعدها، نعم هؤلاء الخنازير لا يتألمون إلا لبعضهم البعض، لا يتعاملون بالربا فيما بينهم، أما معكم فالأمر مختلف يأكلون لحمكم نيئا.
لم يرد عليه مايكل بكلمة واحدة، لكن الشاب ظل يشتمهم ويلفق عليهم ما فعلوا وما لم يفعلوا، حتى مل الناس منه ومضوا في طريقهم، سأل مايكل العجوز: إلى أين وجهتك؟
أشارت بيدها نحو أحد الأزقة الضيقة. - دعيني أوصلك إلى بيتك. - لا حاجة لذلك، شكرا لمساعدتك بني، وانتبه لنفسك جيدا.
ثم مضت العجوز في طريقها على مهل، ولحقها مايكل إلى أن وصلت بيتها مخافة أن يتعرض لها أحدهم مرة أخرى.
كانت وتيرة الحرب تتصاعد حينها شيئا فشيئا؛ إذ وقعت ألمانيا وإيطاليا واليابان على الاتفاقية الثلاثية التي عرفت باسم «تحالف قوى المحور»، ثم انضمت إليها رومانيا وسلوفاكيا وتبعتها دول أخرى بعد ذلك، وفي الطرف الآخر تكونت دول الحلفاء بقيادة المملكة المتحدة «بريطانيا» مع فرنسا والصين، ولم تتدخل أمريكا في الحرب إلا بعد حادثة الهجوم الياباني المباغت على ميناء «بيرل هاربر» باستخدام أسراب كبيرة من الطائرات اليابانية التي ألحقت خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات العسكرية من السفن والطائرات الحربية الأمريكية.
لم تقتصر الحرب على ساحات المعارك، بل كان لكل طرف حملاته الدعائية عن طريق الراديو والإذاعات التي تدعي نبل مساعي دولها والسلام الذي تنوي تحقيقه من خلال الحرب! كانت وسيلة مؤثرة في النفوس، لو سمع أي إنسان من دولة بعيدة لم ير ظلم النازية لشعر أنها بالفعل تريد إحلال السلام في الأرض جراء القيم الإنسانية التي تبثها إذاعاتها، لكنها بالفعل استطاعت أن تجعل شعوبها أولا راضية عن القيام بحرب عدوانية، ثم قامت بتفتيت خصومها للحصول على النصر جزءا بعد آخر، وكان عليها أن تخيف أعداءها المباشرين، وأن تهدئ خصومها المنتظرين .. وقد اقتضت كل المحاولات التي سبقت العمليات العدائية استخداما واسع النطاق للدعاية السوداء برغم ما بذل من جهد كبير لإخفاء تلك الدعاية، وحقق الألمان في ميدان الدعاية انتصارات كبيرة من خلال تأثيرها على الرأي العام الدولي بأن مستقبل العالم يتوقف على الاختيار بين الشيوعية والفاشية، وكذلك في الميدان السيكولوجي باستخدام الذعر الكامل بجعل الشعب الألماني نفسه يخشى من تصفية الشيوعية له، كما استخدمت أفلام عمليات الحرب الخاطفة لإخافة الجماعات الحاكمة في دول أخرى ولتحطيم المعنويات، وتسبب عن ذلك ما يسمى بالانهيار العصبي للأمم، وذلك بإبقائها دائما في حالة شك وعدم تيقن مما يمكن أن يحدث لها غدا. •••
قبل غروب شمس الجمعة آثرت أم مايكل تحضير الطعام ليوم غد السبت كالعادة؛ فالسبت يوم مقدس لا يقومون بفعل أي شيء فيه، إنه يوم الراحة، اليوم الذي يترك فيه الإنسان أشغاله المادية حتى يستريح؛ إذ جاء في سفر الخروج: «يجب أن نستريح في اليوم السابع؛ لأن الله استراح فيه من الخليقة. وقد منع الله نزول المن لإسرائيل في اليوم السابع حتى يستريحوا.»
وكانت شرائع البابليين تقول إن الملك لا يأكل اللحم المطبوخ على الفحم في هذا اليوم، ولا يغير ثياب جسده، ولا يلبس ثيابا نظيفة، ولا يقم ذبيحته، ولا يركب في عربة، ولا يتكلم في قضية، ولا يجوز للرائي في هذه الأيام أن يقدم للناس ما يرى، ولا يجوز للطبيب أن يضع يده على جسد إنسان. فقدسية هذا اليوم لديهم كبيرة جدا.
في صباح يوم السبت، كانت الساعة تشير إلى العاشرة وعشر دقائق، الجو كان غائما كليا مع برودة خفيفة، تعالت الأصوات في الزقاق، ألقى مايكل نظرة من النافذة، فرأى النازية يقفون على امتداد الرصيف وعلى الشارع يمر مجموعات من الرجال والنساء والأطفال وهم يحملون حقائب السفر، انتبه إلى أذرعهم فرأى الجميع يحملون شارة نجمة داوود الزرقاء، قال في نفسه: «يا إلهي! هذه المرة الاعتقالات ليست فقط للرجال حتى النساء والأطفال والشيوخ.» توجه مباشرة صوب غرفة والدته، أخبرها أن أمرا جللا يحصل في الزقاق، سيأتون حالا، هيا أسرعي، وقفت جامدة عندما سمعت الخبر. - ما بك سيأتون الآن هيا، سأخبر سارة وديفيد لكي يحضرا أمتعتهما، إنهم يخرجون اليهود من بيوتهم.
Unknown page