فالعاشق قد يحتمل النكبة الفادحة ولا يحتمل الغض من مكانته في نفس معشوقه، والشك في هذه المكانة هو أكبر لواعج الغيرة، والحرص عليها هو أقوى أواصر المحبة، وقد يجازف بمنفعته وراحته ولا يجازف بلقاء تهمة تغض من تلك المكانة وتذيلها وتسقطها عنده وعند غيره.
فجميل صاحب النسيب الذي ضيع في سبيله بثينة كلها ليس بعجيب منه أن يعرضها لفضيحة لا تضيرها، في سبيل كرامة هواه وكرامة نسيبه وكرامة نسبه وأهله.
وقد ينبغي ذلك في الهوى العذري أو لا ينبغي فيه ولا في هوى من الأهواء، ولكن من هو العاشق الذي يعمل ما ينبغي ولا يعمل ما دونه؟!
إنه قد يريد أن يتحامى الضرر الذي يحيق به هو ولا يملك أن يتحاماه، وقد يريد أن يدرأ الفضيحة عن نفسه ولا يملك أن يدرأها، فلا نحاسبه بما يريد، ولا بما ينبغي في عرفه وعرف الناس، وإنما نحاسبه بما يساق إليه، وبما هو مغلوب عليه، وليس بمستبعد على مغلوب أن يعمل عملا لا يرضاه ساعة عمله، وقد يأتيه وهو نافر منه ساعة يأتيه. •••
ومن النقائض التي تنجم عن تقدير القراء والنقاد أنهم ربما رأوا للهوى العذري صفة الكمال، ثم يرون هذا الهوى في كلام جميل وأخباره على صفة أخرى.
فالهوى العذري - كما شاع على ألسنة واصفيه - هوى بعيد من الجسد ونزعاته، باق ما بقيت الحياة، ثم هو لا يزال قانعا على مدى الحياة بالنظر والحديث والمناجاة، وقد يتورع عن الملامسة والتقبيل كأنه صلة قائمة بين روحين لا يتمثل لهما جثمان.
وقد وصف جميل هواه على هذه الصفة في بعض ما نسب إليه، فقال:
لا والذي تسجد الجباه له
ما لي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت به
Unknown page