884

" إنما كان يكفيك "

وضرب كفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة؟ وقالوا: أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين، فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس. وقال آخرون: حد المسح الذي أمر الله به في التيمم أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين. ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوراث بن سعيد، قال: ثنا أيوب، عن نافع: أن ابن عمر تيمم بمربد النعم، فضرب ضربة فمسح وجهه، وضرب ضربة فمسح يديه إلى المرفقين. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله أنه قال: التيمم مسحتان، يضرب الرجل بيديه الأرض، يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما مرة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين. حدثني ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر في التيمم، قال: ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان يقول في المسح في التيمم إلى المرفقين. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا ابن عون، قال: سألت الحسن، عن التيمم، فضرب بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه، وضرب بيديه فمسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال في هذه الآية: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وقال في هذه الآية: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } قال: أمر أن يمسح في التيمم ما أمر أن يغسل في الوضوء وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثني محمد بن أبي عدي جميعا، عن داود، عن الشعبي في التيمم، قال: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: أمر بالتيمم فيما أمر بالغسل. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سألت سالم بن عبد الله عن التيمم، فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الأرض ضربة أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: وأخبرنا حبيب بن الشهيد، عن الحسن أنه سئل عن التيمم، فقال: ضربة يمسح بها وجهه، ثم ضربة أخرى يمسح بها يديه إلى المرفقين. وعلة من قال هذه المقالة أن التيمم بدل من الوضوء على المتيمم أن يبلغ بالتراب من وجهه ويديه ما كان عليه أن يبلغه بالماء منهما في الوضوء. واعتلوا من الأثر بما: حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا خارجة بن مصعب، عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما فرغ قام إلى حائط، فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه إلى الحائط، فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم رد علي السلام. وقال آخرون: الحد الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم الآباط. ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمر بن أبي سلمة التنيسي، عن الأوزاعي، عن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. وعلة من قال ذلك أن الله أمر بمسح اليد في التيمم كما أمر بمسح الوجه، وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه، فكذلك عليه جميع اليد، ومن طرف الكف إلى الإبط يد.

واعتلوا من الخبر بما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا صيفي بن ربعي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه الرخصة المسح بالصعيد، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزل فيك رخصة! فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن الحد الذي لا يجزىء المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه، الكفان إلى الزندين لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز، ثم هو فيما جاوز ذلك مخير إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرا فيما جاوز الكفين أن الله لم يحد في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدا لا يجوز التقصير عنه، فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه، وقد أجمع الجميع على أن التقصير عن الكفين غير مجزىء، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه، وإذ كان مختلفا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجا مما لزمه من فرض ذلك. واختلف أهل التأويل في الجنب، هل هو ممن دخل في رخصة التيمم إذا لم يجد الماء أم لا؟ فقال جماعة من أهل التأويل من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين حكم الجنب فيما لزمه من التيمم إذا لم يجد الماء حكم من جاء من الغائط، وسائر من أحدث ممن جعل التيمم له طهورا لصلاته، وقد ذكرت قول بعض من تأول قول الله: { أو لمستم النساء } أو جامعتموهن، وتركنا ذكر الباقين لكثرة من قال ذلك. واعتل قائلو هذه المقالة بأن للجنب التيمم إذا لم يجد الماء في سفره بإجماع الحجة على ذلك نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم الذي يقطع العذر، ويزيل الشك. وقال جماعة من المتقدمين: لا يجزىء الجنب غير الاغتسال بالماء، وليس له أن يصلي بالتيمم، والتيمم لا يطهره. قالوا: وإنما جعل التيمم رخصة لغير الجنب، وتأولوا قول الله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قالوا: وقد نهى الله الجنب أن يقرب مصلى المسلمين إلا مجتازا فيه حتى يغتسل، ولم يرخص له بالتيمم. قالوا: وتأويل قوله: { أو لمستم النساء }: أو لامستموهن باليد دون الفرج ودون الجماع. قالوا: فلم نجد الله رخص للجنب في التيمم، بل أمره بالغسل، وأن لا يقرب الصلاة إلا مغتسلا. قالوا: والتيمم لا يطهره لصلاته. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا أيتيمم؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا.

فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: { فتيمموا صعيدا طيبا }؟ فقال عبد الله: إن رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: إنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم. قال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

" «إنما يكفيك أن تصنع هكذا»، وضرب بكفيه ضربة واحدة ومسح بهما وجهه، ومسح كفيه "

؟ قال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع لقول عمار؟ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء! فقال عمر: أما أنا فلو لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء. قال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنا بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنا أجنبنا؟ قال: نعم فأما أنا فتمرغت في التراب، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

" «إن كان الصعيد لكافيك»، وضرب بكفيه الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه "

؟ فقال: اتق الله يا عمار! فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره، فقال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم في دكان مسلم الأعور، فقلت: أرأيت إن لم تجد الماء وأنت جنب؟ قال: لا أصلي. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء والصلاة بقوله: { أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا }. وقد بينا ثم أن معنى الملامسة في هذا الموضع: الجماع بنقل الحجة التي لا يجوز الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه ولا السهو ولا التواطؤ والتضافر، بأن حكم الجنب في ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته، مع ما قد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي قد ذكرنا بعضها وتركنا ذكر كثير منها استغناء بما ذكرنا منها عما لم نذكر، وكراهة منا إطالة الكتاب باستقصاء جميعه.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { فلم تجدوا ماء فتيمموا } هل ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه طلب الماء أم ذلك أمر منه بالتيمم كلما لزمه الطلب وهو محدث حدثا يجب عليه منه الوضوء بالماء لو كان للماء واجدا؟ فقال بعضهم: ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه فرض الطلب بعد الطلب محدثا كان أو غير محدث. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: التيمم لكل صلاة. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، مثله. حدثني عبد الله بن محمد، قال: ثنا عبدان المروزي، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الوراث، قال: أخبرنا عامر الأحول، عن نافع أنه حدثه، عن ابن عمر مثل ذلك. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا مجالد، عن الشعبي، قال: لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة. حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد، عن قتادة، قال: يتيمم لكل صلاة. ويتأول هذه الآية: { فلم تجدوا ماء }. قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد وعبد الكريم بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قالوا: التيمم لكل صلاة. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال : ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن النخعي، قال: يتيمم لكل صلاة. وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله بالتيمم بعد طلب الماء من لزمه فرض الطلب إذا كان محدثا، فأما من لم يكن أحدث بعد تطهره بالتراب فلزمه فرض الطلب، فليس عليه تجديد تيممه، وله أن يصلي بتيممه الأول. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان بن حبيب، عن يونس، عن الحسن، قال: التيمم بمنزلة الوضوء. حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، قال: ثنا عمر بن شاكر، عن الحسن، قال: يصلي المتيمم بتيممه ما لم يحدث، فإن وجد الماء فليتوضأ. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن، قال: كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث، وكذلك التيمم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن، قال: كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، قال: يصلي الصلوات بالتيمم ما لم يحدث. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: التيمم بمنزلة الوضوء.

Unknown page