Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
وبعد ثلاثين سنة تمام المائة، رد إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة، وقد أتى على ذلك ريح مائة عام وبرد مائة عامر وحر مائة عام، لم تتغير ولم تنتقص شيئا، وقد نحل جسم إرميا من البلى، فأنبت الله له لحما جديدا، ونشز عظامه وهو ينظر، فقال له الله: { انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله: { أنى يحيى هذه الله بعد موتها } إن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال: { أنى يحيى هذه الله بعد موتها } ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته يعمرونها ثلاثين سنة تمام المائة فلما ذهبت المائة رد الله روحه وقد عمرت على حالها الأولى، فجعل ينظر إلى العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصبا ولحما. { فلما تبين } له ذلك { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } فقال الله تعالى ذكره: { انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } قال: فكان طعامه تينا في مكتل، وقلة فيها ماء. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها } وذلك أن عزيرا مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين فلما مر بالقرية فرآها، وقف عليها وقلب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ليس تكذيبا منه وشكا. فأماته الله وأمات حماره، فهلكا ومر عليهما مائة سنة. ثم إن الله أحيا عزيرا فقال له: كم لبثت؟ قال له: لبثت يوما أو بعض. قيل له: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير { لم يتسنه }... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: { ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ثم بعثه } ثم أثاره حيا من بعد مماته. وقد دللنا على معنى البعث فيما مضى قبل. وأما معنى قوله: { كم لبثت } فإن كم استفهام في كلام العرب عن مبلغ العدد، وهو في هذا الموضع نصب ب«لبثت»، وتأويله: قال الله له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتا قبل أن أبعثك من مماتك حيا؟ قال المبعوث بعد مماته: لبثت ميتا إلى أن بعثتني حيا يوما واحدا أو بعض يوم.
وذكر أن المبعوث هو إرميا أو عزير، أو من كان ممن أخبر الله عنه هذا الخبر. وإنما قال: { لبثت يوما أو بعض يوم } لأن الله تعالى ذكره كان قبض روحه أول النهار، ثم رد إليه روحه آخر النهار بعد المائة عام فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت فكان ذلك عنده يوما لأنه ذكر أنه قبض روحه أول النهار وسئل عن مقدار لبثه ميتا آخر النهار وهو يرى أن الشمس قد غربت، فقال: لبثت يوما، ثم رأى بقية من الشمس قد بقيت لم تغرب، فقال: أو بعض يوم، بمعنى: بل بعض يوم، كما قال تعالى ذكره:
وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون
[الصافات: 147] بمعنى: بل يزيدون. فكان قوله: { أو بعض يوم } رجوعا منه عن قوله: { لبثت يوما }. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } قال: ذكر لنا أنه مات ضحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما. ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فقال: بل لبثت مائة عام. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { أنى يحيى هذهالله بعد موتها } قال: مر على قرية فتعجب، فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله أول النهار، فلبث مائة عام، ثم بعثه في آخر النهار، فقال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: قال الربيع: أماته الله مائة عام، ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: لما وقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها كيف يعيدها كما كانت؟ فأماته الله. قال: وذكر لنا أنه مات ضحى، وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام، فقال: كم لبثت؟ قال: يوما. فلما رأى الشمس، قال: أو بعض يوم. القول في تأويل قوله تعالى: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } لم تغيره السنون التي أتت عليه. وكان طعامه فيما ذكر بعضهم سلة تين وعنب وشرابه قلة ماء. وقال بعضهم: بل كان طعامه سلة عنب وسلة تين وشرابه زق من عصير.
وقال آخرون: بل كان طعامه سلة تين، وشرابه دن خمر أو زكرة خمر. وقد ذكرنا فيما مضى قول بعضهم في ذلك ونذكر ما فيه فيما يستقبل إن شاء الله. وأما قوله { لم يتسنه } ففيه وجهان من القراءة: أحدهما: «لم يتسن» بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف. ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه زائدة صلة كقوله: { فبهداهم اقتده } وجعل فعلت منه: تسنيت تسنيا، واعتل في ذلك بأن السنة تجمع سنوات، فيكون تفعلت على نهجه. ومن قال في السنة سنينة فجائز على ذلك وإن كان قليلا أن يكون تسننت تفعلت، بدلت النون ياء لما كثرت النونات كما قالوا: تظنيت وأصله الظن وقد قال قوم: هو مأخوذ من قوله: { من حمإ مسنون } وهو المتغير. وذلك أيضا إذا كان كذلك، فهو أيضا مما بدلت نونه ياء، وهو قراءة عامة قراء الكوفة. والآخر منهما : إثبات الهاء في الوصل والوقف، ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه لام الفعل ويجعلها مجزومة بلم، ويجعل فعلت منه تسنهت، ويفعل: أتسنه تسنها، وقال في تصغير السنة: سنيهة، ومنه: أسنهت عند القوم، وتسنهت عندهم: إذا أقمت سنة، هذه قراءة عامة قراء أهل المدينة والحجاز. والصواب من القراءة عندي في ذلك، إثبات الهاء في الوصل والوقف، لأنها مثبتة في مصحف المسلمين، ولإثباتها وجه صحيح في كلتا الحالتين في ذلك. ومعنى قوله: { لم يتسنه } لم يأت عليه السنون فيتغير، على لغة من قال: أسنهت عندكم أسنه: إذا أقام سنة، وكما قال الشاعر:
وليست بسنهاء ولا رجبية
ولكن عرايا في السنين الجوائح
فجعل الهاء في السنة أصلا، وهي اللغة الفصحى، وغير جائز حذف حرف من كتاب الله في حال وقف أو وصل لإثباته وجه معروف في كلامها. فإن اعتل معتل بأن المصحف قد ألحقت فيه حروف هن زوائد على نية الوقف، والوجه في الأصل عند القراءة حذفهن، وذلك كقوله:
فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] وقوله:
Unknown page