Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج } أنه قال: آخرها يوم عرفة. حدثنا أبو كريب قال: ثنا بشير، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي: صام يوما قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، وهارون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: يصوم المتمتع الثلاثة الأيام لمتعته في العشر إلى يوم عرفة. قال: وسمعت مجاهدا وطاوسا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: صوم ثلاثة أيام للمتمتع، إذا لم يجد ما يهدي يصوم في العشر إلى يوم عرفة متى صام أجزأه، فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه. حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: ثني يعقوب بن عطاء، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة فليصم. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن في قوله: فصيام ثلاثة أيام في الحج قال: آخرها يوم عرفة. حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، وحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج } آخرهن يوم عرفة من ذي الحجة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: كان يقال عرفة وما قبلها يومين من العشر. حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: فآخرها يوم عرفة. حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: آخرها يوم عرفة. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قطر، عن عطاء: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: آخرها يوم عرفة.
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: عرفة وما قبلها من العشر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم، قالا: صيام ثلاثة أيام في الحج في العشر آخرهن عرفة. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن خير، قال: سألت طاوسا عن صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: آخرهن يوم عرفة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } إلى: { وسبعة إذا رجعتم } وهذا على المتمتع بالعمرة إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله. حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا زياد بن المنذر، عن أبي جعفر: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: آخرها يوم عرفة. وقال آخرون: بل آخرهن انقضاء يوم منى. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق. حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: يصوم المتمتع الذي يفوته الصيام أيام منى. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج، فليصم أيام التشريق فإنهن من الحج. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمر بن محمد أن نافعا حدثه أن عبد الله بن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحج فلم يكن معه هدي ولم يصم الثلاثة الأيام قبل أيام التشريق، فليصم أيام منى. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم، عن عبد الله بن عمر أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصوم إلا لمن يجد هديا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا هشام، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قبل النحر صام أيام التشريق، فإنها من أيام الحج.
وذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال: حدثنا المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه في هذه الآية: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: هي أيام التشريق. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن وبرة، عن ابن عمر، قال: يصوم يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. قال: وقال عبيد بن عمير: يصوم أيام التشريق. وعلة من قال: آخر الثلاثة الأيام التي أوجب الله صومهن في الحج على من لم يجد الهدي من المتمتعين يوم عرفة، أن الله جل ثناؤه أوجب صومهن في الحج بقوله: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قالوا: وإذا انقضى يوم عرفة فقد انقضى الحج، لأن يوم النحر يوم إحلال من الإحرام. قالوا: وقد أجمع الجميع أنه غير جائز له صوم يوم النحر قالوا: فإن يكن إجماعهم على أن ذلك له غير جائز من أجل أنه ليس من أيام الحج، فأيام التشريق بعده أحرى أن لا تكون من أيام الحج لأن أيام الحج متى انقضت من سنة، فلن تعود إلى سنة أخرى بعدها. أو يكون إجماعهم على أن ذلك له غير جائز من أجل أنه يوم عيد، فأيام التشريق التي بعده في معناه لأنها أيام عيد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن صومهن كما نهى عن صوم يوم النحر. قالوا: وإذا كان يفوت صومهن بمضي يوم عرفة لم يكن إلى صيامهن في الحج سبيل لأن الله شرط صومهن في الحج، فلم يجز عنه إلا الهدي الذي فرضه الله عليه لمتعته. وعلة من قال: آخر الأيام الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه انقضاء آخر أيام منى، أن الله أوجب على المتمتع ما استيسر من الهدي، ثم الصيام إن لم يجد إلى الهدي سبيلا. قالوا: وإنما يجب عليه نحر هدي المتعة يوم النحر، ولو كان له واجدا قبل ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك فإنما رخص له في الصوم يوم يلزمه نحر الهدي فلا يجد إليه سبيلا. قالوا: والوقت الذي يلزمه فيه نحر الهدي يوم النحر والأيام التي بعده من أيام النحر، فأما قبل ذلك فلم يمكن نحره. قالوا: فإذا كان النحر لم يكن له لازما قبل ذلك، وإنما لزمه يوم النحر فإنما لزمه الصوم يوم النحر، وذلك حين عدم الهدي فلم يجده، فوجب عليه الصوم. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فالصوم إنما يلزمه أوله في اليوم الذي يلي يوم النحر، وذلك أن النحر إنما كان لزمه من بعد طلوع الفجر، ومن ذلك الوقت إذا لم يجده يكون له الصوم. قالوا: وإذا طلع فجر يوم ولم يلزمه صومه قبل ذلك إذا كان الصوم لا يكون في بعض نهار يوم في واجب، علم أن الواجب عليه الصوم من اليوم الذي يليه إلى انقضاء الأيام الثلاثة بعد يوم النحر من أيام التشريق.
قالوا: ولا معنى لقول القائل: إن أيام منى ليست من أيام الحج لأنهن ينسك فيهن بالرمي والعكوف على عمل الحج كما ينسك غير ذلك من أعمال الحج في الأيام قبلها. قالوا: هذا مع شهادة الخبر الذي: حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها. لصحة ما قلنا في ذلك من القول وخطأ قول من خالف قولنا فيه. حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي. واختلف أهل العلم في أول الوقت الذي يجب على المتمتع الابتداء في صوم الأيام الثلاثة التي قال الله عز وجل: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج } والوقت الذي يجوز له فيه صومهن، وإن لم يكن واجبا عليه فيه صومهن. فقال بعضهم: له أن يصومهن من أول أشهر الحج. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس أنهما كانا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه. قال: وقال مجاهد: إذا لم يجد المتمتع ما يهدي فإنه يصوم في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه، فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه. حدثني أحمد بن المغيرة، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: من صام يوما في شوال ويوما في ذي القعدة ويوما في ذي الحجة، أجزأه عنه من صوم التمتع. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، قال: إن شاء صام أول يوم من شوال. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قول الله جل وعز: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } قال: إن شاء صامها في العشر، وإن شاء في ذي القعدة، وإن شاء في شوال. وقال آخرون: يصومهن في عشر ذي الحجة دون غيرها. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: يصوم الثلاثة الأيام للمتعة في العشر إلى يوم عرفة.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يعقوب أن عطاء بن أبي رباح كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة فليصم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: ولا بأس أن يصوم المتمتع في العشر وهو حلال. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو شهاب، عن الحجاج، عن أبي جعفر، قال: لا يصام إلا في العشر. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الربيع، عن عطاء أنه كان يقول في صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: في تسع من ذي الحجة أيها شئت، فمن صام قبل ذلك في شوال وفي ذي القعدة، فهو بمنزلة من لم يصم. وقال آخرون: له أن يصومهن قبل الإحرام بالحج. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: إذا خشي أن لا يدرك الصوم بمكة صام بالطريق يوما أو يومين. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: لا بأس أن تصوم الثلاثة الأيام في المتعة وأنت حلال. وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهن إلا بعد ما يحرم بالحج. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يصومهن إلا وهو حرام. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يجزيه صوم ثلاثة أيام وهو متمتع إلا أن يحرم. وقال مجاهد: يجزيه إذا صام في ذي القعدة. والصواب من القول في ذلك عندي أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة. وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قبل، فإن صامهن قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزىء صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم متمتع بعمرته إلى حجه، وإنما يقال له قبل إحرامه معتمر حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة، فإذا دخل في الحج محرما به بعد قضاء عمرته في أشهر الحج ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالا حتى حج من عامه سمي متمتعا.
فإذا استحق اسم متمتع لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده. فأما إن صامه قبل دخوله في الحج وإن كان من نيته الحج، فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزىء من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث. فإن ظن ظان أن صوم المعتمر بعد إحلاله من عمرته أو قبله وقبل دخوله في الحج مجزىء عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ لأن الله جعل ثناؤه جعل لليمين تحليلا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم، تكفيرا لما يظن أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه. ومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم أو في فعله كفارة، فإن سوى بين جميع ذلك فاد قوله، وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسئل عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن فاد قوله في ذلك، خرج من قول جميع الأمة.
وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. القول في تأويل قوله تعالى: { وسبعة إذا رجعتم }. يعني جل ثناؤه بذلك: فمن لم يجد ما استيسر من الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره. فإن قال لنا قائل: أو ما يجب عليه صوم السبعة الأيام بعد الأيام الثلاثة التي يصومهن في الحج إلا بعد رجوعه إلى مصره وأهله؟ قيل: بل قد أوجب الله عليه صوم الأيام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، ولكن الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخص لمن أوجب ذلك عليه، كما رخص للمسافر والمريض في شهر رمضان الإفطار وقضاء عدة ما أفطر من الأيام من أيام أخر. ولو تحمل المتمتع فصام الأيام السبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أو صامهن بمكة، كان مؤديا ما عليه من فرض الصوم في ذلك، وكان بمنزلة الصائم شهر رمضان في سفره أو مرضه، مختارا للعسر على اليسر. وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: { وسبعة إذا رجعتم } قال: هي رخصة إن شاء صامها في الطريق. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وسبعة إذا رجعتم } قال: هن رخصة إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء صامها بعد ما يرجع إلى أهله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، نحوه. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور: { وسبعة إذا رجعتم } قال: إن شاء صامها في الطريق، وإنما هي رخصة. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، قال: إن شئت صم السبعة في الطريق، وإن شئت إذا رجعت إلى أهلك. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن قطر، عن عطاء، قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحب إلي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: { وسبعة إذا رجعتم } قال: إن شئت في الطريق، وإن شئت بعد ما تقدم إلى أهلك. فإن قال: وما برهانك على أن معنى قوله: { وسبعة إذا رجعتم } إذا رجعتم إلى أهليكم وأمصاركم دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منى إلى مكة؟ قيل: إجماع جميع أهل العلم على أن معناه ما قلنا دون غيره.
ذكر بعض من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: { وسبعة إذا رجعتم } قال: إذا رجعت إلى أهلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد ، عن قتادة: { وسبعة إذا رجعتم } إذا رجعتم إلى أمصاركم. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير: { وسبعة إذا رجعتم } قال: إلى أهلك. القول في تأويل قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة }. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { كاملة } فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة الأيام بعد ما يرجع إلى أهله عشرة كاملة من الهدي. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن في قوله: { تلك عشرة كاملة } قال: كاملة من الهدي. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن، مثله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام على إحرامه ولم يحل ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج. وقال آخرون: معنى ذلك الأمر وإن كان مخرجه مخرج الخبر، وإنما عنى بقوله: { تلك عشرة كاملة } تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنه فرض عليكم صومها. وقال آخرون: بل قوله: { كاملة } توكيد للكلام، كما يقول القائل: سمعته بأذني ورأيته بعيني، وكما قال:
فخر عليهم السقف من فوقهم
[النحل: 26] ولا يكون الخر إلا من فوق، فأما من موضع آخر فإنما يجوز على سعة الكلام. وقال آخرون: إنما قال: { تلك عشرة كاملة } وقد ذكر سبعة وثلاثة، لأنه إنما أخبر أنها مجزئة وليس يخبر عن عدتها، وقالوا: ألا ترى أن قوله: «كاملة» إنما هو وافية؟. وأولى هذه الأقوال عندي قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام }. يعني جل ثناؤه بقوله { ذلك } أي التمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. كما: حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } يعني المتعة أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة.
Unknown page