Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 15]
فيسخرون منهم سخر الله منهم
[التوبة: 79] وقد بينا وجه ذلك ونظائره فيما مضى قبل. وبالذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { فلا عدوان إلا على الظالمين } والظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فلا عدوان إلا على الظالمين } قال: هم المشركون. حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة في هذه الآية: { فلا عدوان إلا على الظالمين }: قال: هم من أبى أن يقول لا إله إلا الله. وقال آخرون: معنى قوله: { فلا عدوان إلا على الظالمين } فلا تقاتل إلا من قاتل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } فإن الله لا يحب العدوان على الظالمين ولا على غيرهم، ولكن يقول: اعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم.
فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في قوله { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } لا يجوز أن يقول فإن انتهوا، إلا وقد علم أنهم لا ينتهون إلا بعضهم، فكأنه قال: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم، فأضمر كما قال:
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] يريد فعليه ما استيسر من الهدي، وكما تقول: إلى من تقصد أقصد، يعني إليه. وكان بعضهم ينكر الإضمار في ذلك ويتأوله، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم لمن انتهى، ولا عدوان إلا على الظالمين الذين لا ينتهون.
[2.194]
يعني بقوله جل ثناؤه: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه عمرة الحديبية، فصده مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، وكان ذلك سنة ست من هجرته، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العام المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته خرج معتمرا وأصحابه في ذي القعدة، وهو الشهر الذي كان المشركون صدوه عن البيت فيه في سنة ست، وأخلى له أهل مكة البلد، حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتم عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين معه: { الشهر الحرام } يعني ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمه وبيته على كراهة مشركي قريش ذلك حتى قضيتم منه وطركم بالشهر الحرام الذي صدكم مشركو قريش العام الماضي قبله فيه، حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصد والمنع من الوصول إلى البيت. كما: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف، يعني ابن خالد السهمي، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: { والحرمات قصاص } قال: هم المشركون حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله البيت الحرام، فاقتص له منهم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } قال: فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا.
حتى إذا كان من العام المقبل أقبل نبي الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة، فقال الله: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن عثمان، عن مقسم في قوله: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } قالا: كان هذا في سفر الحديبية، صد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضوا المشركين يومئذ قضية «إن لكم أن تعتمروا في العام المقبل» في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا، فلذلك قال: { والحرمات قصاص }. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } قال: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من مهاجره صده المشركون، وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صلحهم على أن يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام يخرجون، ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر من السنة السابعة، فخلوا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عمرته تلك ميمونة بنت الحرث الهلالية. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت الحرام، فأدخله الله البيت الحرام العام المقبل، واقتص له منهم، فقال: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ذلك العام حتى يرجع العام المقبل، فيقيم بمكة ثلاثة أيام، ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة. فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا. حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فقاص الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة.
قال الله جل ثناؤه: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { والحرمات قصاص } فهم المشركون كانوا حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتص له منهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } حتى فرغ من الآية. قال: هذا كله قد نسخ، أمره أن يجاهد المشركين. وقرأ:
Unknown page