Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
ورأيت زوجك في الوغى
متقلدا سيفا ورمحا
فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: هؤلاء الذين أقسموا بالله كذبا جهد أيمانهم إنهم لمعكم. وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: { ويقول الذين آمنوا }. وقرأ ذلك قراء الكوفيين: { ويقول الذين آمنوا } بالواو ورفع يقول بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب. وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا فيبتدىء «يقول» فيرفعها. وقراءتنا التي نحن عليها: { ويقول } بإثبات الواو في: «ويقول»، لأنها كذلك هي في مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بالواو، وبرفع «يقول» على الابتداء. فتأويل الكلام إذ كان القراءة عندنا على ما وصفنا: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول المؤمنون: أهؤلاء الذين حلفوا لنا بالله جهد أيمانهم كذبا إنهم لمعنا. يقول الله تعالى ذكره مخبرا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم: { حبطت أعمالهم } يقول: ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرض واجب ولا على صحة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرها إذ لم تكن له { فأصبحوا خاسرين } يقول: فأصبح هؤلاء المنافقون عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر قد وكسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم وهلكوا.
[5.54]
يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: { يا أيها الذين آمنوا }: أي صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم { من يرتد منكم عن دينه } يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدله ويغيرة بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يقول: فسوف يجيء الله بدلا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذا الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ولا يرتد. فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة قال محمد: وما هي أيها الأمير؟ قال: قول الله: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه }... حتى بلغ: { ولا يخافون لومة لائم }. فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا: الولاة من قريش ، من يرتد عن الحق. ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم، فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن في قوله: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: أبو بكر وأصحابه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علي، عن أبي موسى، قال: قرأ الحسن: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: هي والله لأبي بكر وأصحابه.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه. حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } قال: هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه... } إلى قوله: { والله واسع عليم } أنزل الله هذه الآية، وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس. فلما قبض الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا فكلم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يعتدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هشام، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } قال: علم الله المؤمنين، وأوقع معنى السوء على الحشو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدوا، قال: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله } المرتدة عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه.
وقال آخرون: يعني بذلك قوما من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، قال: لما نزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال:
" هم قوم هذا "
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضا يحدث عن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال: يعني قوم أبي موسى. حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة قال أبو السائب، قال أصحابنا هو عن سماك بن حرب، وأنا لا أحفظ سماكا عن عياض الأشعري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" هم قوم هذا "
Unknown page