Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون
[المائدة: 32] قال: ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل، قال له جل ثناؤه: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا. فقال الله جل وعز له: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي عن أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك، وأكون فزعا تائها في الأرض، وكل من لقيني قتلني فقال جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل قاتل قتيلا يجزى واحدا، ولكن يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية، لئلا يقتله كل من وجده. وخرج قابيل من قدام الله عز وجل، من شرقي عدن الجنة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن خيثمة، قال: لما قتل ابن آدم أخاه نشفت الأرض دمه، فلعنت، فلم تنشف الأرض دما بعد. فتأويل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول غرابا يبحث في الأرض، يقول: يحفر في الأرض، فيثير ترابها ليريه كيف يواري سوءة أخيه، يقول: ليريه كيف يواري جيفة أخيه. وقد يحتمل أن يكون عنى بالسوءة الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. وفي ذلك محذوف ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميت، فواراه فيها، فقال القاتل أخاه حينئذ: { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } الذي وارى الغراب الآخر الميت { فأواري سوأة أخي }؟ فواراه حينئذ { فأصبح من النادمين } على ما فرط منه من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه. وكل ما ذكر الله عز وجل في هذه الآيات، مثل ضربه الله لبني آدم، وحرض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفو والصفح عن اليهود، الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقتلهم من بني النضير، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرفهم جل وعز رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم على منهج الحق مع كثرة أياديه وآلائه عندهم، وضرب مثلهم في عدوهم ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم بابني آدم المقربين قرابينهما اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات.
ثم ذلك مثل لهم على التأسي بالفاضل منهما دون الطالح، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قلت لبكر بن عبد الله: أما بلغك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلا، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما؟ "
قال: بلى. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق،، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن ابني آدم ضربا مثلا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما "
حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا، فخذوا من خيرهم ودعوا الشر ".
[5.32]
يعني تعالى ذكره بقوله: { من أجل ذلك } من جر ذلك وجريرته وجنايته، يقول: من جر القاتل أخاه من ابني آدم اللذين اقتصصنا قصتهما الجريرة التي جرها وجنايته التي جناها، كتبنا على بني إسرائيل. يقال منه: أجلت هذا الأمر: أي جررته إليه وكسبته آجله له أجلا، كقولك: أخذته أخذا، ومن ذلك قول الشاعر:
Unknown page