Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[النحل: 8] ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان. وأما بهائمها فإنها أولادها. وإنما قلنا: يلزم الكبار منها اسم بهيمة كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: بهيمة الأنعام، نظير قوله: ولد الأنعام فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.
وقد قال قوم: بهيمة الأنعام: وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر. القول في تأويل قوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم }. اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله: { إلا ما يتلى عليكم } فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم، إلا ما بين الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله:
حرمت عليكم الميتة والدم
[المائدة: 3] الآية. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { بهيمة الإنعام إلا ما يتلى عليكم }: إلا الميتة وما ذكر معها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم }: أي من الميتة التي نهى الله عنها وقدم فيها. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { إلا ما يتلى عليكم } قال: إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إلا ما يتلى عليكم }: الميتة، والدم، ولحم الخنزير. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم }: الميتة ولحم الخنزير. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم }: هي الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: { إلا ما يتلى عليكم } الخنزير. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { إلا ما يتلى عليكم } قال: الخنزير. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إلا ما يتلى عليكم } يعني: الخنزير. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: عني بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرم عليكم بقوله:
حرمت عليكم الميتة...
[المائدة: 3] الآية، لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام ما حرم عليهم منها، والذي حرم عليهم منها ما بينه في قوله:
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
[المائدة: 3] وإن كان حرمه الله علينا فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها، فاستثناء ما حرم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حرم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.
القول في تأويل قوله تعالى: { غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلى الصيد وأنتم حرم، أحلت لكم بهيمة الأنعام. فذلك على قولهم من المؤخر الذي معناه التقديم، ف «غير» منصوب على قول قائلي هذه المقالة على الحال مما في قوله: «أوفوا»، من ذكر الذين آمنوا. وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا أيها المؤمنون بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلين الصيد وأنتم حرم. وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر، غير محلي الصيد: غير مستحلي اصطيادها، وأنتم حرم، إلا ما يتلى عليكم. ف «غير» على قول هؤلاء منصوب على الحال من الكاف والميم اللتين في قوله: «لكم» بتأويل: أحلت لكم أيها الذين آمنوا بهيمة الأنعام، لا مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم. وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها، إلا ما يتلى عليكم، إلا ما كان منها وحشيا، فإنه صيد فلا يحل لكم وأنتم حرم. فكأن من قال ذلك، وجه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها، إلا ما يتلى عليكم، إلا ما يبين لكم من وحشيها، غير مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم، فتكون «غير» منصوبة على قولهم على الحال من الكاف والميم في قوله: { إلا ما يتلى عليكم }. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل، فحدثهم فقال: أحلت لكم بهيمة الأنعام صيدا، غير محلي الصيد وأنتم حرم، فهو عليكم حرام. يعني: بقر الوحش والظباء وأشباهه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } قال: الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشيا، فإنه صيد، فلا يحل إذا كان محرما. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } من أنها الأنعام وأجنتها وسخالها، وعلى دلالة ظاهر التنزيل قول من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حرم، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم وما أهل لغير الله به. وذلك أن قوله: { إلا ما يتلى عليكم } لو كان معناه: إلا الصيد، لقيل: إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه، وفي ترك الله وصل قوله: { إلا ما يتلى عليكم } بما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد في قوله: { غير محلي الصيد } أوضح الدليل على أن قوله: { إلا ما يتلى عليكم } خبر متناهية قصته، وأن معنى قوله: { غير محلي الصيد } منفصل منه.
وكذلك لو كان قوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } مقصودا به قصد الوحش، لم يكن أيضا لإعادة ذكر الصيد في قوله: { غير محلي الصيد } وجه وقد مضى ذكره قبل، ولقيل: أحلت لكم بهيمة الأنعام، إلا ما يتلى عليكم، غير محليه وأنتم حرم. وفي أظهاره ذكر الصيد في قوله: { غير محلي الصيد } أبين الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك. فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولى ما وجد إلى ذلك سبيل من صرفه إلى غير ذلك. فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم، مما حرم وأحل، لا محلين الصيد في حرمكم، ففيما أحل لكم من بهيمة الأنعام المذكاة دون ميتتها متسع لكم ومستغنى عن الصيد في حال إحرامكم. القول في تأويل قوله تعالى: { إن الله يحكم ما يريد }. يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه، فأوفوا أيها المؤمنون له بما عقد عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرم عليكم، وغير ذلك من عقوده فلا تنكثوها ولا تنقضوها. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إن الله يحكم ما يريد }: إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبين لعباده، وفرض فرائضه، وحد حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.
Unknown page