يقال له أيضا: إن كان خلقه في ذاته فليس هو محل للحوادث، والذكر قد أتى قبل هذا مما تقدم قبل هؤلاء الكفار، وقد قال: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين}، وإنما سمي قرآنا لا قرآن حروف التلاوة، فالتلاوة له والقراءة هي كلام المخلوقين، والقراءة مخلوقة لا خلاف بين أحد أن كلام العباد وقراءتهم مخلوقة، فأما القرآن نفسه فهو لم يتفق أنه مخلوق؛ لأنه كلام الله، وقد بينا أنه غير مخلوق، وإنما سمي قرآنا في اللغة؛ لاقتران بعضه إلى بعض، وهو اقتران كتابته وتلاوته.
وقوله: {عربي مبين}، فإنه لما كانت قراءته وتلاوته بالعربية، سمي عربيا. وقد قال الله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين}، وزبر الأولين غير العربية.
وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل}، وبنو إسرائيل يقص عليهم التوراة بالعبرانية، فدل ذلك أن هذه الأسماء إنما هي بالصفة تلاوة بالعربية والعبرانية وغير ذلك، يتلى بكل لغة قوم نبي على ما ينزل عليهم، وهو كلام الله الذي لا يختلف، وإنما يختلف لتغاير قراءته وتلاوته وإحداث تلاوة المتغاير، والحروف المكتوبة إلى الأنبياء، نبي بعد نبي، إنما تحدث إليهم التلاوة؛ لأن الله خلق كلامه في ذاته، ثم أنزله بعد خلقه؛ لأنه ليس بمحل للحوادث، -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-. /67/
فلا يشبه الله بشيء من خلقه، ولا أن كلامه كلام الخلق، ولا أن علمه وقدرته مثل الخلق -جل وعلا-. ولا خلاف بين أحد أن الله هو المتكلم، كما أنه هو العالم، وإذا كان الله هو العالم لذاته كان هو المتكلم لذاته، ولما كان الإجماع على أنه هو العالم المتكلم صح أنه لم يزل العالم المتكلم لذاته، وعلى من يدعي الفرق بين الكلام والعلم الدليل أن أحدهما محدث والآخر قديم.
Page 94