Islam Wa Hadara Insaniyya
الإسلام والحضارة الإنسانية
Genres
ومنهم من كان ينظر إلى هذا الموضوع التاريخي من خلال النزاع على حقوق السلطة القائمة فيتخذ من المواقف ما يناسب هواه: إن كان من أعوان السلطة فهو من المحافظين الجامدين، وإن كان من أعوان الحرية فهو في الجانب المقابل للمحافظة والجمود.
ومنهم من كان يعمل لحساب الاستعمار السياسي، فهو ينكر فضائل الإسلام أو يشهد لها الشهادة التي تقف عند حدود الماضي ولا تتعداها إلى الحاضر الذي غلبت فيه سيادة المستعمرين. فلا حرج عنده من الشهادة للإسلام بالعظمة التي صلحت في زمانها لتعظيم قومها، ولكنها ذهبت مع زمانها فهي الآن في خبر كان.
منذ الحرب العالمية الثانية تغيرت هذه المواقف جميعا، وخلفتها مواقف أخرى أقرب إلى الإنصاف والاستقلال النظري؛ لأنها تصدر من بواعث «عامة» يقل فيها التوجيه والإملاء ويستلم أصحابها مطالب النشر ورغبات القراء، ويجرون مع العصر في مجراه الغالب عليه، وهو «النزعة العالمية» التي تؤثر الاطلاع على شئون العالم قديمها وحديثها وتتوسع في طلب الأخبار والمعلومات من جميع المصادر والجهات.
فالذين يكتبون اليوم عن الأندلس الإسلامية يجمعون بين النزعة العالمية ونزعة «الهواية الشخصية»، ولا ينسون مطالب النشر التي تتحرى ميول القراء ولا تقوم على التوجيه والإملاء من جانب الدول، أو جانب الهيئات التي تشبهها في اصطناع الدعاية. •••
من أحدث المؤلفات التي ظهرت في هذا الدور - سنة 1958م - كتاب «الأندلس» أو «إسبانيا في ظل المسلمين» لمؤلفه الأستاذ أدوين هول
Edwin Hole
المستشرق المعروف.
عمل هذا المؤلف بمصر وسوريا وتركيا والبلقان، ثم اغتنم فرصة العمل في وكالة «ملقة» القنصلية، فعكف على دراسة الحضارة الأندلسية من قريب، وقضى في هذه الدراسة زهاء خمس سنوات، خرج منها بهذا الكتاب الموجز الذي يقع في نحو مائتي صفحة، ويشتمل على أحداث الأقوال والآراء في تاريخ هذه الحضارة. وجملة ما يقال عن أقواله وآرائه أن الرجل أنصف حضارة الأندلس الإسلامية فيما فهمه وتأتى له أن يحكم عليه، ولكنه جهل منها بعض جوانبها - ولا سيما جانب الشعر والأدب - فأحال فيه التبعة على غيره، وبلغ بذلك غاية ما يستطيعه جاهل الشيء من إنصافه وتقديره.
يكاد المؤلف أن يقول عن جانب الثقافة من حضارة الإسلام في الأندلس إن الدولة الإسلامية قد صنعت الخوارق في ترقية العقول والأذواق، وإن ولاة الأمر فيها كانوا يعدون عدو الجياد حيث سار اللاحقون بهم في خطوهم الهزيل، فيتعثرون وهم يدرجون.
ففي كلمة «الكتاب» تتلخص المعجزة التي صنعتها الدول الإسلامية في القارة الأوروبية. قال المؤلف عن مكتبة الخليفة «الحكم»: إن عدد كتبها ومجاميعها قدر بنحو أربعمائة ألف كتاب ومجموعة. وقد حاول الملك الفرنسي شارل الملقب بالحكيم بعد الحكم بأربعة قرون أن ينشئ مكتبته، فلم يستطع أن يجمع فيها أكثر من تسعمائة كتاب، ستمائة منها تبحث في اللاهوت.
Unknown page