Islam Wa Hadara Insaniyya
الإسلام والحضارة الإنسانية
Genres
ثم استطرد بعد صفحات فقال: «ومن البلاء حقا أنهم لم يقصروا عند امتداح الجهالة بل قاموا - ببلاهة كثيفة - يمتدحون الجنون والبله والبله والمجانين ... وهنالك قسم كبير من الأولياء كتبوا في الطبقات يسمون بالمجاذيب أو بالأولياء المجاذيب، وقد أورد الشعراني في كتابه طبقات الأولياء الكبرى أسماء طوائف كثيرة من هؤلاء المجذوبين، وكذلك صنع غيره.»
أما الفصل الذي تناول فيه موضوع المرأة بعنوان: إنسان هي أم سلعة؛ فقد قابل به بين أقوال المتطرفين في الحجر عليها وأقوال المتطرفين في تخويلها حقوق العمل والحرية، ووقف بين الطرفين وسطا يعدل بين هؤلاء وهؤلاء، ولكني أحسبه لو خير بينهما لآثر الإطلاق على التكبيل بقيود الحجر والجمود.
ونحن نوافق الأستاذ القصيمي على الهدف الذي يرمي إليه، وعلى الآفة التي يشكو منها، ولكننا نخالفه في بعض الآراء كما نخالفه في بعض العبارات، ولا نخص منها بالذكر هنا إلا جانبا واحدا يلتبس فيه الرأي، ويبدو فيه الظاهر على وجه غير وجهه الباطن، أو وجهه الذي نطلع عليه بعد المراجعة والموازنة بين الحقائق المتقابلة. فرب حقيقة تقابلها حقيقة أكبر منها، ورب ناحية نراها وحدها فإذا هي مستنكرة، ونراها في مكانها من مجموعة النواحي المختلة، فإذا هي لازمة لا غناء عنها.
هذا الجانب الذي نخصه بالذكر في هذا المقام هو كلام الأستاذ على فلسفة التصوف؛ إذ يقول: «إن وجه الخطأ في هذه الفلسفة أنهم اعتقدوا أن الروح والجسد عالمان مستقلان متعاديان، وأن كلا منهما حرب للآخر، وأن كلا منهما أيضا إنما ينمو ويزكو على حساب الآخر، فإذا أهين أحدهما وعذب نما الآخر وترعرع، وقام بوظيفته خير قيام، وإذا أكرم وأريح وأجم أصاب الآخر بالعكس ... وهذه فلسفة عقيمة لا تقف أمام الحقائق. فإن الروح مهما اختلف في حقيقتها وفي تفسيرها تزكو وتقوى وتقدر على أداء وظيفتها إذا صح الجسم وقوي واستراح، وتضعف وتخبو وتعجز عن القيام بعملها إذا مرض الجسم أو تعب أو عجز ... وهذه حقيقة هي اليوم فوق مذاهب الشك، وفي استطاعة الرجل العادي أن يعلم صدق هذا بالملاحظة والاستقراء.»
ونحن نقول: إن هذه حقيقة لا شك فيها.
ولكننا نقول: إنها ليست كل الحقيقة، أو ليست بالحقيقة التي تستغني عن الرجوع بها إلى جملة الحقائق في الملكات الروحية والجسدية.
ولعلنا نستعجل الغاية التي نرمي إليها بالإشارة إلى حقيقة أخرى مجسمة لا شك فيها. فما القول مثلا في الإنسان الذي يقبل على الجسد وحده فيجعله أصلب من الفولاذ وأقدر على حمل الأثقال وجرها من الفرس والبعير؟ أيقال إن هذا الإنسان قد زاد قوة الروح بزيادة قوة الجسد؟ أيقال إنه مثل يحتذيه كل إنسان ولا يصيب الأمة نقص في الملكات إذا اقتدى به كل فرد من أبنائنا؟
لا يقال ذلك، ولا يقال مع ذلك أنه مثل ضار وخيم العاقبة على أبناء الأمة، بل يقال إنه لازم ومطلوب ومعقول، وإن «القصد الحيوي» في تربية الإنسانية يسمح للرياضة البدنية أن تصطفي لها أفرادا من هذا الطراز، ويسمح للرياضة الروحية أن تصطفي لها أفرادا من طراز آخر، ولا تسمح لهذه ولا لتلك بتعميم حكمها على جميع الآحاد.
هذا «القصد الحيوي» هو الحقيقة الكبرى التي تقابل تلك الحقيقة المبسوطة في كتاب الأستاذ.
فالملكات الإنسانية أكثر وأكبر من أن ينالها إنسان واحد.
Unknown page