1398
استفسار عن رأي شيخ الإسلام في آية المباهلة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيميه في آية المباهلة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المباهلة هي الملاعنة، والمقصود منها أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.
ينظر: "النهاية في غريب الأثر" (١/٤٣٩) .
وآية المباهلة هي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) . [آل عمران/٥٩-٦١]
وكان سبب نزول هذه الآية أن وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة جعلوا يُجادلون في نبي الله عيسى ﵇، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية.
وقد تصلبوا على باطلهم، بعدما أقام عليهم النبي ﷺ البراهين بأنه عبد الله ورسوله.
فأمره الله تعالى أن يباهلهم.
فدعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم، ثم يدعون الله تعالى أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين.
فأحضر النبي ﷺ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وقال: هؤلاء أهلي.
فتشاور وفد نجران فيما بينهم: هل يجيبونه إلى ذلك؟
فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه؛ لأنهم عرفوا أنهم إن باهلوه هلكوا، هم وأولادهم وأهلوهم، فصالحوه وبذلوا له الجزية، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة، فأجابهم ﷺ لذلك.
ينظر: "تفسير ابن كثير" (٢ /٤٩)، "تفسير السعدي" (١ /٩٦٨) .
ثانيًا:
ليس لشيخ الإسلام ابن تيمية رأي خاص في آية المباهلة، بل كلامه فيها ككلام سائر أهل السنة، إلا أنه قد بين بعض المفاهيم المغلوطة التي يحاول البعض أخذها من هذه القصة.
ونستطيع أن نلخص كلام شيخ الإسلام في المباهلة في نقاط:
١-إتيان النبي ﷺ بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ عند المباهلة ثابت بالأحاديث الصحيحة.
قال شيخ الإسلام: " أما أخذه عليًا وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة فحديث صحيح رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال في حديث طويل: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ...) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
٢- ليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل هذه الأمة.
قال: " لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٣)
وقال: " ولا يقتضي أن يكون من باهل به أفضل من جميع الصحابة، كما لم يوجب أن تكون فاطمة وحسن وحسين أفضل من جميع الصحابة ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ /١٢٥) .
٣- المباهلة إنما يختار لها الإنسان أقرب الناس منه نسبًا، لا أفضلهم عنده.
قال شيخ الإسلام: " وسبب دعوة النبي ﷺ لهؤلاء فقط: أن المباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب وان كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود.. ".
وقال: " وهؤلاء أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسبًا، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به، لما في جِبِلّة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه ...
والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبا، وهم يخافون عليهم ما لا يخافون على الأجانب، ولهذا امتنعوا عن المباهلة لعلمهم بأنه على الحق وأنهم إذا باهلوه حقت عليهم بُهْلة الله، وعلى الأقربين إليهم ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٥/٤٥)
٤- سبب تخصيص علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين بالمباهلة أنهم أخص أهل بيته به في ذلك الوقت.
قال شيخ الإسلام: " وأما آية المباهلة فليست من الخصائص، بل دعا عليًا وفاطمة وابنيهما، ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة، بل لأنهم أخص أهل بيته". انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٤/٤١٩)
وقال: " وآية المباهلة نزلت سنة عشر لما قدم وفد نجران، ولم يكن النبي ﷺ قد بقي من أعمامه إلا العباس، والعباس لم يكن من السابقين الأولين، ولا كان له به اختصاص كعلي.
وأما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي، وكان جعفر قد قتل قبل ذلك ... بمؤتة سنة ثمان، فتعين علي ﵁ ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٥) .
وقال: " لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم وزينب كنَّ قد توفين قبل ذلك ...
وإنما دعا حسنًا وحسينًا؛ لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما، فإن إبراهيم، إن كان موجودا إذ ذاك، فهو طفل لا يُدعى ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/ ١٢٩) .
٥- ليس في آية المباهلة دليل على أحقية علي بن أبي طالب ﵁ للخلافة والإمامة، بزعم أن الله جعله مقام نفس الرسول بقوله: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ...)، والاتحاد في النفس محال، فلم يبق إلا المساواة له في الولاية العامة.
قال شيخ الإسلام: " لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ذلك ممتنع، لأن أحدًا لا يساوي رسول الله ﷺ، لا عليًا ولا غيره.
وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة، قال تعالى في قصة الإفك (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا..) ولم يوجب ذلك أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين.
وقد قال الله تعالى في قصة بني إسرائيل (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي يقتل بعضكم بعضا، ولم يوجب ذلك أن يكونوا متساوين، ولا أن يكون من عبد العجلَ مساويًا لمن لم يعبده.
وكذلك قد قيل في قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يقتل بعضكم بعضًا، وان كانوا غير متساوين.
وقال تعالى (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يلمز بعضكم بعضًا، فيطعن عليه ويعيبه، وهذا نهي لجميع المؤمنين أن لا يفعل بعضهم ببعض هذا الطعن والعيب، مع أنهم غير متساوين، لا في الأحكام، ولا في الفضيلة، ولا الظالم كالمظلوم، ولا الإمام كالمأموم ...
فهذا اللفظ يدل على المجانسة والمشابهة، والتجانس والمشابهة يكون بالاشتراك في بعض الأمور، كالاشتراك في الإيمان ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب

3 / 115