Īqāẓ himam ulī al-abṣār

إيقاظ همم أولي الأبصار

Publisher

دار المعرفة

Publisher Location

بيروت

خطْبَة الْكتاب
حمدا لمن جعل أهل الحَدِيث حراس الدّين وَصرف عَنْهُم كيد المعاندين وشكرا لمن ألهمهم التَّمَسُّك بِالشَّرْعِ الْمُبين وهداهم لإقتفاء آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَصَلَاة وَسلَامًا على من ببعثته كل مُنكر مَتْرُوك وموضوع وكل مَعْرُوف مَوْصُول غير مَقْطُوع وَلَا مَمْنُوع الْمنزل عَلَيْهِ أحسن الحَدِيث والمبجل بَين الورى فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وَرَحْمَة مَوْصُولَة بطرائق الاكرام من الْملك العلام مكفولة لأنصار السّنة المطهرة وحماتها وأبطال الكفاح عَنْهَا وكماتها الرامين بشهب التَّحْقِيق الثاقبة شُبْهَة التحريف والانتحال المحرقين بصواعق الْحجَج الْبَالِغَة بدع أهل الزيغ والضلال الَّذين جعلهم الله اركان الشَّرِيعَة وَهدم بهم كل بِدعَة شنيعة
أما بعد فَيَقُول الْفَقِير الى مَوْلَاهُ الْغَنِيّ صَالح بن مُحَمَّد الْعمريّ الشهير بالفلاني إِنَّه قد إلتمس مني بعض من يُرِيد أَن يتزود لمعاده وَيعْمل بِكِتَاب الله وهدي خير عباده أَن أنقل لَهُ مَا ورد من ذَلِك فِي كتاب رب الْعَالمين وَمَا رَوَاهُ الثِّقَات الْأَثْبَات من سنة سيد الْمُرْسلين وَمَا أثر فِي ذَلِك من آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فأحجمت عَن ذَلِك احجام الجبان وتحرجت من الْخَوْض فِي غمرة هَذَا الميدان وَرجعت الْقَهْقَرَى وَرَأَيْت أَن الْوُقُوف دون ذَلِك أَحَق بمقامى وَأَحْرَى ثمَّ بدا لي أَن الأولى إسعافه بالمراد رَجَاء أَن يعْمل بِهِ من وَفقه الله من الْعباد
فَأَقُول كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُوله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَبَارك وَسلم متظاهران على الْحَث على الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وقضايا الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كاشفة عَن ذَلِك كل دجنة وَكَلَام الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم مُصَرح بِهِ وَكَاشف عَن قُلُوب متبعيهم الاكنة بل فِي كَلَامهم التَّصْرِيح بِتَحْرِيم تقليدهم بعد وُرُود نَص يخالفهم من كتاب أَو سنة وان تَقْلِيد المتعصبين بعد ذَلِك ضلال وجنة وَأَنه لَيْسَ لغير الْعَاميّ تَقْلِيد بِغَيْر برهَان وَحجَّة فها أَنا أنقله بحول الله وقوته وأنسبه الى قَائِله بِفضل الله ومنته من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وتابعيهم وَمن تَبِعَهُمْ من أهل مِلَّته

1 / 2

وَقد بدا لي أَن أرتب ذَلِك على مُقَدّمَة فِي بَيَان مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة من ذَلِك وَمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي بَيَان مَا هُنَالك وَأَرْبَعَة مَقَاصِد فِيمَا للأئمة الْأَرْبَعَة فِي ذَلِك من الْمذَاهب
الأول فِيمَا قَالَه الامام أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه أهل المناقب المنفية وَالثَّانِي فِيمَا قَالَه مَالك بن أنس أَمَام دَار الْهِجْرَة وَمَا قَالَه أَصْحَاب السَّادة المهرة وَالثَّالِث فِي بَيَان مقَالَة عَالم قُرَيْش مُحَمَّد بن ادريس الشَّافِعِي وَمَا لأَصْحَابه فِي ذَلِك من الْكَلَام الشافي من العى وَالرَّابِع فِيمَا نقل عَن نَاصِر السّنة أَحْمد بن حَنْبَل وَمَا لأَصْحَابه من الحض على الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب الْمنزل وخاتمة فِي ابطال شبه المقلدين وَالْجَوَاب عَن حجج أهل الْأَهْوَاء المتعصبين وسميته إيقاظ همم أولي الْأَبْصَار للإقتداء بِسَيِّد الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وتحذيرهم عَن الإبتداع الشَّائِع فِي الْقرى والامصار من تَقْلِيد الْمذَاهب مَعَ الحمية والعصبية بَين فُقَهَاء الْأَعْصَار
الْمُقدمَة فِي وجوب طَاعَة الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وذم الرَّأْي وَالْقِيَاس على غير أُصُوله والتحذير من إكثار الْمسَائِل وَبَيَان أصُول الْعلم وَحده مقسوما ومحازا وَمن يسْتَحق أَن يُسمى فَقِيها أَو عَالما حَقِيقَة لَا مجَازًا وَبَيَان فَسَاد التَّقْلِيد فِي دين الله تَعَالَى ونفيه وَالْفرق بَينه وَبَين اتِّبَاع كتاب الله وَسنة نبيه
قَالَ الله تَعَالَى ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة﴾ ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَقد فرض الله تَعَالَى عَلَيْهِم اتِّبَاع مَا نزل اليهم وَأعلم أَن مَعْصِيَته تَعَالَى فِي ترك أمره وَأمر رَسُوله ص وَلم يَجْعَل لَهُم الا اتِّبَاعه وَلذَا قَالَ لرَسُول الله ﷺ ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله﴾ مَعَ مَا علم الله تَعَالَى نبيه ثمَّ مَا فرض اتِّبَاع كِتَابه فَقَالَ ﴿فَاسْتَمْسك بِالَّذِي أُوحِي إِلَيْك﴾ وَقَالَ ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم﴾ وأعلمهم أَنه أكمل لَهُم دينه فَقَالَ ﷿ ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ ثمَّ من عَلَيْهِم بِمَا اتاهم من الْعلم فَأَمرهمْ بالاقتصار عَلَيْهِ وَأَن لَا يَقُولُوا غَيره إِلَّا مَا علمهمْ فَقَالَ لنَبيه ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ وَقَالَ لنَبيه ﷺ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ ثمَّ أنزل على نبيه ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَبَعثه بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ وَانْزِلْ عَلَيْهِ كِتَابه الْهدى

1 / 3

والنور لمن اتبعهُ وَجعل رَسُوله الدَّال على مَا أَرَادَ من ظَاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه وَمَا قصد لَهُ الْكتاب فَكَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ الْمعبر عَن كتاب الله الدَّال على مَعَانِيه شَاهده فِي ذَلِك اصحابه الَّذين ارتضاهم الله تَعَالَى لنَبيه واصطفاهم لَهُ ونقلوا ذَلِك عَنهُ فَكَانُوا هم اعْلَم النَّاس برَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم بِمَا أَرَادَ الله تَعَالَى من كِتَابه بمشاهدتهم مَا قصد لَهُ الْكتاب فَكَانُوا هم المعبرين عَن ذَلِك بعد رَسُول الله ﷺ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله وَلَا تكن للخائنين خصيما﴾ وَقَالَ ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ وَقَالَ ﴿لَهُ غيب السَّمَاوَات وَالْأَرْض أبْصر بِهِ وأسمع مَا لَهُم من دونه من ولي وَلَا يُشْرك فِي حكمه أحدا﴾ وَقَالَ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾
فأكد الله هَذَا التَّأْكِيد وَكرر هَذَا التكرير فِي مَوضِع وَاحِد لعظم مفْسدَة الحكم بِغَيْر مَا أنزلهُ وَعُمُوم مضرته وبليته لأمته قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾
وَأنكر تَعَالَى على من حَاج فِي دينه بِمَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم فَقَالَ ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَنهى أَن يَقُول أحد هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لما لم يحرمه الله وَرَسُوله أَيْضا وَأخْبر أَن فَاعل ذَلِك مفتر عَلَيْهِ الْكَذِب وَقَالَ ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ والآيات الدَّالَّة على وجوب طَاعَة الرَّسُول ﷺ كَثِيرَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ ﴿قل أطِيعُوا الله وَالرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِن الله لَا يحب الْكَافرين﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَقَالَ ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَكفى بِاللَّه شَهِيدا من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾

1 / 4

وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ وَقَالَ ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول واحذروا فَإِن توليتم فاعلموا أَنما على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون﴾ وَقَالَ ﴿وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ وَقَالَ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ ﴿قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَا حملتم وَإِن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا قد يعلم الله الَّذين يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر جَامع لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه إِن الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك أُولَئِكَ الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم واستغفر لَهُم الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ وَقَالَ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم﴾ وَكَانَ الْحسن يَقُول لَا تذبحوا قبل ذبحه وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون إِن الَّذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتهم عِنْد رَسُول الله أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ وَلَو أَنهم صَبَرُوا حَتَّى تخرج إِلَيْهِم لَكَانَ خيرا لَهُم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا﴾ وَقَالَ ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى علمه شَدِيد القوى﴾

1 / 5

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَقَالَ ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توليتم فَإِنَّمَا على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله يَا أولي الْأَلْبَاب الَّذين آمنُوا قد أنزل الله إِلَيْكُم ذكرا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُم آيَات الله مبينات ليخرج الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه﴾ وَقَالَ ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَة من ربه ويتلوه شَاهد مِنْهُ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ جِبْرَائِيل وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَمن قبله كتاب مُوسَى اماما وَرَحْمَة أُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ وَمن يكفر بِهِ من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده قَالَ سعيد بن جُبَير الاحزاب الْملَل فَالنَّار موعده فَلَا تَكُ فِي مرية مِنْهُ ثمَّ ذكر حَدِيث يعلى بن أُميَّة طفت مَعَ عمر فَلَمَّا بلغنَا المغربي الَّذِي يَلِي الْأسود جررت بِيَدِهِ يسْتَلم فَقَالَ مَا شَأْنك تعلّقت فَقلت الا تستلم فَقَالَ ألم تطف مَعَ النَّبِي ﷺ فَقلت بلَى قَالَ أفرأيته يسْتَلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ المغربيين قلت لَا قَالَ أَلَيْسَ لَك فِيهِ أُسْوَة حَسَنَة قلت بلَى قَالَ فلتقر عَيْنك وَجَاء أَن مُعَاوِيَة اسْتَلم الْأَركان كلهَا فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس تستلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ وَلم يكن رَسُول الله ﷺ يستلمهما فَقَالَ مُعَاوِيَة لَيْسَ شَيْء من الْبَيْت مَهْجُورًا فَقَالَ ابْن عَبَّاس لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة فَقَالَ مُعَاوِيَة صدقت قلت والآيات فِي وجوب اتِّبَاع كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة
وَأما الْأَحَادِيث الدَّالَّة على وجوب الْعَمَل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ص فكثيرة
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن هِلَال ابْن أُميَّة قذف إمرأته بِشريك من سَحْمَاء عِنْد النَّبِي ﷺ فَذكر حَدِيث اللّعان وَقَول النَّبِي ﷺ أبصروها فان جَاءَت بِهِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الاليتين خَدلج السَّاقَيْن فَهُوَ لِشَرِيك بن سَحْمَاء وان جَاءَت بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهِلَال بن أُميَّة فَجَاءَت بِهِ على النَّعْت الْمَكْرُوه فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَوْلَا مَا مضى من كتاب الله لَكَانَ لي وَلها شَأْن
يُرِيد وَالله أعلم بِكِتَاب الله قَوْله تَعَالَى ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه﴾ وَيُرِيد بالشأن وَالله أعلم أَنه كَانَ يحدها لمشابهة وَلَدهَا بِالَّذِي رميت بِهِ وَلَكِن كتاب الله فصل الْحُكُومَة وَأسْقط كل قَول وَرَاءه وَلم يبْق للإجتهاد بعده مَوضِع وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الرسَالَة الَّتِي أرسلها الى عبد الرَّحْمَن بن مهْدي أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبيد الله بن ابي يزِيد عَن أَبِيه قَالَ أرْسلهُ عمر بن الْخطاب ﵁ الى شيخ من زهرَة كَانَ يسكن دَارنَا فَذَهَبت مَعَه الى عمر فَسَأَلَ عَن وليدة من ولائد الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ أما الْفراش فلفلان وَأما النُّطْفَة فلفلان فَقَالَ صدقت وَلَكِن رَسُول الله ﷺ قضى بالفراش
قَالَ الشَّافِعِي وَأَخْبرنِي من لَا أتهم عَن ابْن أبي ذِئْب قَالَ أَخْبرنِي مخلد بن خفاف قَالَ ابتعت

1 / 6

غُلَاما فاستغللته ثمَّ ظَهرت مِنْهُ على عيب فخاصمت فِيهِ الى عمر بن عبد الْعَزِيز فَقضى لي برده وَقضى عَليّ برد غَلَّته فَأتيت عُرْوَة فَأَخْبَرته فَقَالَ أروح إِلَيْهِ العشية فَأخْبرهُ أَن عَائِشَة أَخْبَرتنِي أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي مثل هَذَا أَن الْخراج بِالضَّمَانِ فعجلت الى عمر فَأَخْبَرته بِمَا أَخْبرنِي بِهِ عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَمَا أيسر عَليّ من قَضَاء قَضيته وَالله يعلم أَنِّي لم أرد فِيهِ إِلَّا الْحق فبلغتني فِيهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ فأرد قَضَاء عمر وأنفذ سنة رَسُول الله ﷺ فراح إِلَيْهِ عُرْوَة فَقضى لي أَن آخذ الْخراج من الَّذِي قضى بِهِ عَليّ لَهُ
قَالَ الشَّافِعِي وَأَخْبرنِي من لَا أتهم من أهل الْمَدِينَة عَن ابْن أبي ذِئْب قَالَ قضى سعد ابْن ابراهيم على رجل بقضية بِرَأْي ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن فَأَخْبَرته عَن النَّبِي ﷺ بِخِلَاف مَا قضى بِهِ فَقَالَ سعد لِرَبِيعَة هَذَا ابْن أبي ذِئْب وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة يُخْبِرنِي عَن النَّبِي ﷺ بِخِلَاف مَا قضيت بِهِ فَقَالَ لَهُ ربيعَة قد اجنهدت وَمضى حكمك فَقَالَ سعد وَاعجَبا أنفذ قَضَاء سعد ابْن أم سعد وَارِد قَضَاء رَسُول الله ﷺ بل أرد قَضَاء سعد بن ام سعد وانفذ قَضَاء رَسُول الله ﷺ فدعى سعد بِكِتَاب الْقَضِيَّة فشقه وَقضى للمقضي عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي أخبرنَا ابو حنيفَة سماك بن الْفضل الشهابي قَالَ حَدثنِي ابْن أبي ذِئْب عَن المَقْبُري عَن أبي شُرَيْح الكعبي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عَام الْفَتْح من قتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين أَن أحب أَخذ الْعقل وان أحب فَلهُ الْقود قَالَ أَبُو حنيفَة فَقلت لإبن أبي ذِئْب أتأخذ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَرْث فَضرب صَدْرِي وَصَاح عَليّ صياحا كثيرا ونال مني وَقَالَ أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَتقول أتأخذ بِهِ نعم آخذ بِهِ وَذَلِكَ الْفَرْض عَليّ وعَلى من سَمعه أَن الله ﵎ اخْتَار مُحَمَّدًا ص من النَّاس فهداهم بِهِ وعَلى يَدَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُم مَا اخْتَار لَهُ وعَلى لِسَانه فعلى الْخلق أَن يتبعوه طائعين أَو داخرين لَا مخرج لمُسلم من ذَلِك وَمَا سكت حَتَّى تمنيت أَن يسكت انْتهى
قلت تَأمل فعل عمر بن الْخطاب وَفعل عمر بن عبد الْعَزِيز وَفعل سعد بن ابراهيم يظْهر لَك أَن الْمَعْرُوف عِنْد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين وَعند سَائِر الْعلمَاء الْمُسلمين أَن حكم الْحَاكِم الْمُجْتَهد إِذا خَالف نَص كتاب الله تَعَالَى أَو سنة رَسُوله ص وَجب نقضه وَمنع نُفُوذه وَلَا يُعَارض نَص الْكتاب وَالسّنة بالاحتمالات الْعَقْلِيَّة والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية بِأَن يُقَال لَعَلَّ هَذَا الْمُجْتَهد قد اطلع على هَذَا النَّص وَتَركه لَعَلَّه ظَهرت لَهُ أَو أَنه اطلع على دَلِيل آخر وَنَحْو هَذَا مِمَّا لهج بِهِ فرق الْفُقَهَاء المتعصبين واطبق عَلَيْهِ جهلة المقلدين فَافْهَم
قَالَ أَبُو النَّضر هَاشم بن الْقسم حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي رَاشد عَن عَبدة بن أبي لبَابَة عَن هَاشم

1 / 7

ابْن يحيى المَخْزُومِي أَن رجلا من ثَقِيف أَتَى عمر بن الْخطاب فَسَأَلَهُ عَن إمرأة حَاضَت وَقد كَانَت زارت الْبَيْت يَوْم النَّحْر ألها أَن تنفر قبل أَن تطهر قَالَ عمر لَا فَقَالَ لَهُ الثَّقَفِيّ فان رَسُول الله ﷺ أفتاني فِي هَذِه الْمَرْأَة بِغَيْر مَا أَفْتيت بِهِ فَقَامَ اليه عمر يضْربهُ بِالدرةِ وَيَقُول لم تستفتي فِي شئ قد افتى فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ
وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة ثَنَا صَالح بن عبد الله ثَنَا سُفْيَان عَن عَامر عَن عتاب بن مَنْصُور قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَق عَن سعد بن أبي أياس عَن ابْن مَسْعُود أَن رجلا تزوج إمرأة فَرَأى أمهَا فَأَعْجَبتهُ فَطلق إمرأته ليتزوج أمهَا فَقَالَ لَا بَأْس فَتَزَوجهَا الرجل وَكَانَ عبد الله على بَيت المَال فَكَانَ يَبِيع نقود بَيت المَال يُعْطي الْكثير وَيَأْخُذ الْقَلِيل حَتَّى قدم الْمَدِينَة فَسَأَلَ أَصْحَاب مُحَمَّد ص فَقَالُوا لَا تحل لهَذَا الرجل هَذِه الْمَرْأَة وَلَا تصح الْفضة بِالْفِضَّةِ الا وزنا بِوَزْن فَلَمَّا قدم عبد الله انْطلق الى الرجل فَلم يجده وَوجد قومه فَقَالَ ان الَّذِي أَفْتيت بِهِ صَاحبكُم لَا يحل وأتى الصيارفة فَقَالَ يَا معشر الصيارفة ان الَّذِي كنت أُبَايِعكُم عَلَيْهِ لَا يحل لَا تحل الْفضة بِالْفِضَّةِ الا وزنا بِوَزْن
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبا سَلمَة تَذَاكَرُوا الْمُتَوفَّى عَنْهَا الْحَامِل تضع عِنْد وَفَاة زَوجهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس تَعْتَد آخر الْأَجَليْنِ فَقَالَ أَبُو سَلمَة تحل حِين تضع فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَأَنا مَعَ ابْن أخي فأرسلوا الى أم سَلمَة فَقَالَت قد وضعت سبيعة بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال فَأمرهَا رَسُول الله ﷺ أَن تزوج وَقد تقدم ذكر رُجُوع ابْن عمر وَابْن عَبَّاس عَن اجتهادهم الى السّنة مَا فِيهِ كِفَايَة
قَالَ مُحَمَّد بن اسحاق بن خُزَيْمَة الملقب بامام الْأَئِمَّة لَا قَول لأحد مَعَ رَسُول الله ﷺ اذا صَحَّ الْخَبَر عَنهُ وَقد كَانَ امام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة لَهُ أَصْحَاب ينتحلون مذْهبه وَلم يكن مُقَلدًا بل اماما مُسْتقِلّا كَمَا ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي مدخله عَن يحيى بن مُحَمَّد الْعَنْبَري قَالَ طَبَقَات أَصْحَاب الحَدِيث جمة الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية والراهوية والخزيمية أَصْحَاب مُحَمَّد بن خُزَيْمَة
وَقَالَ الشَّافِعِي قَالَ لي قَائِل ذَات يَوْم إِن عمر عمل شَيْئا ثمَّ صَار الى غَيره لخَبر نبوي قلت لَهُ حَدثنِي سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب ان عمر كَانَ يَقُول الدِّيَة لِلْعَاقِلَةِ وَلَا تَرث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا شَيْئا حَتَّى أخبرهُ الضَّحَّاك بن سُفْيَان أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَيْهِ أَن يُورث إمرأة اشيم الضبابِي من دِيَته فَرجع إِلَيْهِ عمر
وَأَخْبرنِي ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار وَابْن طَاوس أَن عمر قَالَ اذكر الله امْرَءًا سمع

1 / 8

من النَّبِي ﷺ فِي الْجَنِين شَيْئا فَقَامَ حمل بن مَالك بن النَّابِغَة وَقَالَ كنت بَين جارتين لي فَضربت احداهما الاخرى بمسطح فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا فَقضى فِيهِ رَسُول الله ﷺ بغرة فَقَالَ عمر لَو لم نسْمع فِيهِ هَذَا لقضينا فِيهِ بِغَيْر هَذَا وَقَالَ غَيره ان كدنا لنقضي فِيهِ برأينا فَترك اجْتِهَاده للنَّص وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب على كل مُسلم إِذْ إجتهاد الرَّأْي إِنَّمَا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة فَمن أضطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم وَكَذَلِكَ الْقيَاس إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة قَالَ الامام أَحْمد سَأَلت الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ عِنْد الضَّرُورَة نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي مدخله وَقَالَ ابْن عمر كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى زعم رَافع أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَنْهَا فتركناها من أجل ذَلِك وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم بن عبد الله أَن عمر بن الْخطاب نهى عَن الطّيب قبل زِيَارَة الْبَيْت وَبعد الْجَمْرَة فَقَالَت عَائِشَة طيبت رَسُول الله ﷺ بيَدي لاحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ وَسنة رَسُول الله ﷺ أَحَق
قَالَ الشَّافِعِي فَترك سَالم قَول جده لروايتها قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن تَيْمِية وَهَذَا شَأْن كل مُسلم لَا كَمَا يصنع فرقة التَّقْلِيد
وَفِي كتاب الْعلم بَاب مَا جَاءَ فِي ذمّ القَوْل فِي دين الله بِالرَّأْيِ وَالظَّن وَالْقِيَاس على غير اصل وعيب الاكثار من الْمسَائِل دون اعْتِبَار قَالَ ابْن عبد الْبر ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن يحيى قَالَ ثَنَا عَليّ ابْن مُحَمَّد قَالَ ثَنَا أَحْمد بن دَاوُد قَالَ ثَنَا سَحْنُون بن سعيد قَالَ حَدثنَا عبد الله بن وهب قَالَ ثَنَا ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ حج علينا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَجَلَست إِلَيْهِ فَسَمعته يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله لَا ينتزع الْعلم من النَّاس بعد إِذْ أعطاهموه انتزاعا وَلَكِن ينتزعه مِنْهُم مَعَ قبض الْعلمَاء بعلمهم فَيبقى النَّاس جُهَّالًا يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون قَالَ عُرْوَة فَحدثت بذلك عَائِشَة ثمَّ إِن عبد الله بن عَمْرو حج بعد ذَلِك فَقَالَت لي عَائِشَة يَا ابْن أخي إنطلق إِلَى عبد الله فاستثبت لي مِنْهُ الحَدِيث الَّذِي حَدثنِي بِهِ عَنهُ قَالَ فَجِئْته فَسَأَلته فَحَدثني بِهِ كنحو مَا حَدثنِي فَأتيت عَائِشَة فَأَخْبَرتهَا فعجبت وَقَالَت وَالله لقد حفظ عبد الله ابْن عَمْرو فِيهِ ابْن لَهِيعَة وَفِيه مقَال قَالَ ابْن وهب وَأَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ بذلك أَيْضا وحَدثني عبد الْوَارِث بن سُفْيَان قَالَ حَدثنَا قَاسم بن أصبغ قَالَ حَدثنَا عبيد بن عبد الْوَاحِد بن شريك قَالَ حَدثنَا نعيم بن حَمَّاد قَالَ حَدثنَا ابْن الْمُبَارك قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن حريز بن عُثْمَان الرَّحبِي قَالَ حَدثنَا

1 / 9

عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير عَن أَبِيه عَن عَوْف بن مَالك الاشجعي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أعظمها فتْنَة قوم يقيسون الدّين برأيهم يحرمُونَ بِهِ مَا أحل الله ويحللون بِهِ مَا حرم الله وَأخْبرنَا أَحْمد بن قَاسم ويعيش بن سعيد قَالَا أَنا قَاسم بن أصبغ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ قَالَ ثَنَا نعيم قَالَ ثَنَا ابْن الْمُبَارك قَالَ ثَنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ ثَنَا حريز عَن عبد الرحمن بن جُبَير بن نفير عَن أَبِيه عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أعظمها فتْنَة على أمتِي قوم يقيسون الْأُمُور برأيهم فيحللون الْحَرَام ويحرمون الْحَلَال انْتهى
قلت وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى نعيم بن حَمَّاد قَالَ ابْن الْقيم بعد إِخْرَاجه بِهَذِهِ الْأَسَانِيد وَهَؤُلَاء كلهم أَئِمَّة ثِقَات حفاظ إِلَّا حريز بن عُثْمَان فَإِنَّهُ كَانَ منحرفا عَن عَليّ ﵁ وَمَعَ هَذَا احْتج بِهِ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه تَبرأ مِمَّا نسب إِلَيْهِ من الانحراف عَن عَليّ ونعيم ابْن حَمَّاد إِمَام جليل وَكَانَ سَيْفا على الْجَهْمِية وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه
قَالَ أَبُو عمر هَذَا هُوَ الْقيَاس على غير أصل وَالْكَلَام فِي الدّين بالتخرص وَالظَّن أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي الحَدِيث يحللون الْحَرَام ويحرمون الْحَلَال وَمَعْلُوم أَن الْحَلَال مَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص تَحْلِيله وَالْحرَام مَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ص تَحْرِيمه فَمن جهل ذَلِك وَقَالَ فِيمَا سُئِلَ عَنهُ بِغَيْر علم وقاس بِرَأْيهِ خلاف مَا خرج مِنْهُ وَمن السّنة فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَاس الْأُمُور بِرَأْيهِ فضل وأضل وَمن رد الْفُرُوع فِي علمه إِلَى أُصُولهَا فَلم يقل بِرَأْيهِ انْتهى قلت هَكَذَا أخرجه الْحَافِظ أَبُو عمر وَسكت عَلَيْهِ وَأوردهُ فِي مقَام الِاحْتِجَاج فِي ذمّ الرَّأْي فصنيعه يدل على أَن الحَدِيث صَالح للاحتجاج بِهِ وَقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل وَقَالَ تفرد بِهِ نعيم بن حَمَّاد وَسَرَقَهُ عَنهُ جمَاعَة من الضُّعَفَاء وَهُوَ مُنكر وَفِي غَيره من الْأَحَادِيث الصِّحَاح الْوَارِدَة فِي مَعْنَاهُ كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق انْتهى
قلت وَلَعَلَّ مُرَاده بالأحاديث الصِّحَاح الْوَارِدَة فِي مَعْنَاهُ يَعْنِي فِي ذمّ الرَّأْي وَاسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مَوضِع النَّص ولأصل الحَدِيث شَاهد أخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ افْتَرَقت الْيَهُود على إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَسبعين فرقة وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى على إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَسبعين فرقة وَتَفَرَّقَتْ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَنه قَامَ فَقَالَ أَلا إِن رَسُول الله ﷺ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلا أَن من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْتَرَقُوا على ثِنْتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَأَن هَذِه الْأمة سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي

1 / 10

النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي الْجَمَاعَة زَاد ابْن يحيى وَعَمْرو فِي حَدِيثهمَا وَأَنه سيخرج فِي أمتِي أَقوام تجاري بهم تِلْكَ الْأَهْوَاء كَمَا يتجارى الْكَلْب بِصَاحِبِهِ وَقَالَ عَمْرو الْكَلْب بِصَاحِبِهِ لَا يبْقى مِنْهُ عرق وَلَا مفصل إِلَّا دخله وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة حسن صَحِيح وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد هِيَ مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي
قلت ونعيم بن حَمَّاد من رجال البُخَارِيّ قَالَ فِي الْكَمَال قَالَ ابْن حبَان قَالَ يحيى بن معِين نعيم ابْن حَمَّاد ثِقَة صَدُوق رجل صدق أَنا أعرف النَّاس بِهِ وَكَانَ رفيقي بِالْبَصْرَةِ وَكتب عَن روح بن عبَادَة خمسين ألف حَدِيث وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لقد كَانَ من الثقاة وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله نعيم ابْن حَمَّاد مروزي ثِقَة وَقَالَ أَبُو حَاتِم مَحَله الصدْق وَقَالَ ابْن سعد كَانَ نعيم من أهل المرو وَطلب الحَدِيث طلبا كثيرا بالعراق والحجاز ثمَّ نزل مصر وَلم يزل حَتَّى شخص مِنْهَا فِي خلَافَة إِسْحَاق بن هرون وَسُئِلَ عَن الْقُرْآن فَأبى أَن يُجيب فِيهِ بِشَيْء مِمَّا أرادوه عَلَيْهِ فحبس بسامرا وَلم يزل مَحْبُوسًا بهَا حَتَّى مَاتَ فِي السجْن سنة ثَمَان وَعشْرين ومأتين قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب يُقَال إِن أول من جمع الْمسند وصنفه نعيم بن حَمَّاد روى لَهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة انْتهى
قلت إِذا علمت هَذَا ظهر لَك وَجه سكُوت الْحَافِظ أبي عمر عَن الحَدِيث الْمَذْكُور واحتجاجه بِهِ
قَالَ ابْن عبد البر حَدثنَا عبيد بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد القَاضِي بالقلزم حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن زِيَاد بن عبد الله الرَّازِيّ ثَنَا الْحَرْث بن عبد الله بهمدان ثَنَا عُثْمَان بن عبد الرحمن الوقاصي عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِكِتَاب الله وبرهة بِسنة رَسُول الله ﷺ ثمَّ يعْملُونَ بِالرَّأْيِ فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد ضلوا وَأخْبرنَا مُحَمَّد بن خَليفَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدثنَا مُحَمَّد بن اللَّيْث حَدثنَا جبارَة بن الْمُغلس قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن يحيى الْأَبَح عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعْمل هَذِه الْأمة بِكِتَاب الله ثمَّ تعْمل بُرْهَة بِسنة رَسُول الله ﷺ ثمَّ تعْمل بعد ذَلِك بِالرَّأْيِ فَإِذا عمِلُوا بِالرَّأْيِ ضلوا
قلت فِيهِ جبارَة تكلم فِيهِ غير وَاحِد وَهُوَ من رجال ابْن ماجة
حَدثنَا عبد الرحمن بن يحيى قَالَ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا احْمَد بن دَاوُد قَالَ ثَنَا سَحْنُون ثَنَا ابْن وهب ثَنَا يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَا أَيهَا النَّاس أَن الرَّأْي إِنَّمَا كَانَ من رَسُول الله ﷺ مصيبا لِأَن الله كَانَ يرِيه وَإِنَّمَا هُوَ منا الظَّن والتكلف قلت هَذَا مُنْقَطع ابْن شهَاب لم يدْرك عمر بن الْخطاب وَبِهَذَا

1 / 11