Al-Intiṣār li-aṣḥāb al-ḥadīth

الانتصار لأصحاب الحديث

Editor

محمد بن حسين بن حسن الجيزاني

Publisher

مكتبة أضواء المنار

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٧هـ - ١٩٩٦م

Publisher Location

السعودية

١ - الذامون لأَصْحَاب الحَدِيث صنفان
قد لهج بذم أَصْحَاب الحَدِيث صنفان أهل الْكَلَام وَأهل الرَّأْي فهم فِي كل وَقت يقصدونهم بالثلب وَالْعَيْب وينسبونهم إِلَى الْجَهْل وَقلة الْعلم وَاتِّبَاع السوَاد على الْبيَاض
وَقَالُوا غثاء وغثر وزوامل أسفار وَقَالُوا أقاصيص وحكايات وأخبار وَرُبمَا قرؤوا ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾

1 / 1

وَفِي الْحَقِيقَة مَا ثلموا إِلَّا دينهم وَلَا سعوا إِلَّا فِي هَلَاك أنفسهم وَمَا للأساكفة وصوغ الْحلِيّ وصناعة الْبَز وَمَا للحدادين وتقليب الْعطر وَالنَّظَر فِي الْجَوَاهِر أما يكفيهم صدأ الْحَدِيد وَنفخ فِي الْكِير وشواظ الذيل وَالْوَجْه وغبرة فِي الحدقة وَمَا لأهل الْكَلَام وَنقد حَملَة الْأَخْبَار وَمَا أحسن قَول من قَالَ
(بلَاء لَيْسَ يُشبههُ بلَاء ... عَدَاوَة غير ذِي حسب وَدين)
(ينيلك مِنْهُ عرضا لم يصنه ... ويرتع مِنْك فِي عرض مصون)
لَكِن الْحق عَزِيز وكل مَعَ عزته يَدعِيهِ ودعواهم الْحق تحجبهم عَن مُرَاجعَة الْحق نعم إِن على الْبَاطِل ظلمَة وَإِن على الْحق نورا وَلَا يبصر نور الْحق إِلَّا من حشي قلبه بِالنورِ ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ فالمتخبط فِي ظلمات الْهوى والمتردي فِي مهاوي الهلكة والمتعسف فِي الْمقَال لَا يوفق للعود إِلَى الْحق وَلَا يرشد إِلَى طَرِيق الْهدى ليظْهر وعورة

1 / 2

مسلكه وَعز جَانِبه وتأبيه إِلَّا على أَهله ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾

1 / 3

- ٢ بَاب الْحَث على السّنة وَالْجَمَاعَة والاتباع وَكَرَاهَة التَّفَرُّق والابتداع
-
اعْلَم أَن الله تَعَالَى أَمر خلقه بِلُزُوم الْجَمَاعَة ونهاهم عَن الْفرْقَة وندبهم إِلَى الِاتِّبَاع وحثهم عَلَيْهِ وذم الابتداع وأوعدهم عَلَيْهِ
وَذَلِكَ بَين فِي كِتَابه وَسنة رَسُوله ﷺ
قَالَ تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقَالَ ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَأمر تَعَالَى بِاتِّبَاع النَّبِي ﷺ فِي آيَات من كِتَابه
وَقد وَردت الْأَحَادِيث حاثة على لُزُوم سنته وَاجْتنَاب كل بِدعَة
وَإِذا ثَبت أَنا أمرنَا بالاتباع والتمسك بأثر النَّبِي ﷺ وَلُزُوم مَا شرعة لنا من الدّين وَالسّنة وَلَا طَرِيق لنا إِلَى الْوُصُول إِلَى هَذَا إِلَّا بِالنَّقْلِ والْحَدِيث بمتابعة الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات والعدول من هَذِه الْأمة عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَمن بعده

1 / 4

فنشرح الْآن قَول أهل السّنة إِن طَرِيق الدّين هُوَ السّمع والأثر وَأَن طَريقَة الْعقل وَالرُّجُوع إِلَيْهِ وَبِنَاء السمعيات عَلَيْهِ مَذْمُوم فِي الشَّرْع ومنهي عَنهُ وَنَذْكُر مقَام الْعقل فِي الشَّرْع وَالْقدر الَّذِي أَمر الشَّرْع بِاسْتِعْمَالِهِ وَحرم مجاوزته
وَقد سلك أهل الْكَلَام فِي رد النَّاس من الْأَحَادِيث إِلَى المعقولات طَرِيقا شبهوا بهَا على عَامَّة النَّاس قَالُوا
إِن أَمر الدّين أَمر لابد فِيهِ من وُقُوع الْعلم ليَصِح الِاعْتِقَاد فِيهِ فَإِن الْمُصِيب فِي ذَلِك عِنْد اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفين وَاحِد والمخالف فِي أَمر من أُمُور الدّين الَّذِي مرجعه إِلَى الِاعْتِقَاد إِمَّا كَافِر أَو مُبْتَدع
وَمَا كَانَ أمره على هَذَا الْوَجْه فلابد فِي ثُبُوته من طَرِيق توجب الْعلم حَتَّى لَا يتداخل من حصل لَهُ الْعلم بذلك شُبْهَة وَشك بِوَجْه من الْوُجُوه
وَالْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أهل الحَدِيث فِي أُمُور الدّين أَخْبَار آحَاد وَهِي غير مُوجبَة للْعلم وَإِنَّمَا توجب الإعمال فِي الْأَحْكَام خَاصَّة
وَإِذا سقط الرُّجُوع إِلَى الْأَخْبَار فلابد من الرُّجُوع إِلَى دَلِيل الْعقل وَمَا يُوجِبهُ النّظر وَالِاعْتِبَار

1 / 5

فَهَذَا من أعظم شبههم فِي الْإِعْرَاض عَن الْأَحَادِيث والْآثَار وَسَيَأْتِي الْجَواب عَنْهَا
وَقد قَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّه سَيَأْتِي أنَاس يأخذونكم بشبهات الْقُرْآن فخذوهم بالسنن فَإِن أَصْحَاب السّنَن أعلم بِكِتَاب الله

1 / 6

٣ - مَا ورد عَن الْأَئِمَّة فِي ذمّ الْكَلَام
وَنَذْكُر الْآن مَا ورد عَن الْأَئِمَّة فِي ذمّ الْكَلَام
عَن سُهَيْل بن نعيم قَالَ قَالَ الشَّافِعِي كل من تكلم بِكَلَام فِي الدّين أَو فِي شَيْء من هَذِه الْأَهْوَاء لَيْسَ لَهُ فِيهِ إِمَام مُتَقَدم من النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فقد أحدث فِي الْإِسْلَام حَدثا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا فِي الْإِسْلَام فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا)

1 / 7

وَيَقُول إيَّاكُمْ وَالنَّظَر فِي الْكَلَام فَإِن رجلا لَو سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فِي الْفِقْه فَأَخْطَأَ فِيهَا أَو سُئِلَ عَن رجل قتل رجلا فَقَالَ دِيَته بَيْضَة كَانَ أَكثر شَيْء أَن يضْحك مِنْهُ وَلَو سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فِي الْكَلَام فَأَخْطَأَ فِيهَا نسب إِلَى الْبِدْعَة
فَهَذَا كَلَام الشَّافِعِي فِي ذمّ الْكَلَام والحث على السّنة وَهُوَ الإِمَام الَّذِي لَا يجارى والفحل الَّذِي لَا يُقَاوم

1 / 8

فَلَو جَازَ الرُّجُوع إِلَيْهِ وَطلب الدّين من طَرِيقه لَكَانَ بالترغيب فِيهِ أولى من الزّجر عَنهُ وبالندب إِلَيْهِ أولى من النَّهْي عَنهُ فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينصر مذْهبه فِي الْفُرُوع ثمَّ يرغب عَن طَرِيقَته فِي الْأُصُول
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يبغض أهل الْأَهْوَاء وَينْهى عَن مجَالِسهمْ أَشد النَّهْي وَيَقُول عَلَيْكُم بالأثر وَإِيَّاكُم وَالْكَلَام فِي ذَات الله
وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول أَئِمَّة الْكَلَام زنادقة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله)

1 / 9

وَإِنَّمَا ترد الْبِدْعَة بالأثر لَا ببدعة مثلهَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام الْمُقدم قَالَ
إِنَّمَا يرد على أهل الْبدع بآثار رَسُول الله ﷺ وآثار الصَّالِحين فَأَما من رد عَلَيْهِم بالمعقول فقد رد بَاطِلا بباطل
فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة هم المرجوع إِلَيْهِم فِي أَمر الدّين وَبَيَان الشَّرْع وَمن سلك طَرِيقا فِي الْإِسْلَام بعدهمْ فإياهم يتبع وبهم يَقْتَدِي وموافقتهم يتحَرَّى فَلَا يجوز لمُسلم أَن يظنّ بهم ظن السوء وَأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِك عَن جهل وَقلة علم وخبرة فِي الدّين
وَمَا هَذَا إِلَّا من الغل الَّذِي أَمر الله بالاستعاذة مِنْهُ فَقَالَ ﴿وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا﴾
فَتبين لنا أَن الطَّرِيق عِنْد الْأَئِمَّة الهادية اتِّبَاع السّلف والاقتداء بهم دون الرُّجُوع إِلَى الآراء
وَمن هُنَا قَالَ بَعضهم الْعلم علمَان علم نبوي وَعلم نَظَرِي
وَالْعلم النظري مُحْتَاج إِلَى الْعلم النَّبَوِيّ لِأَن الْعلم النَّبَوِيّ جَاءَ من الله وَهُوَ مقرون بِالصَّوَابِ على كل حَال

1 / 10