462

Al-intiṣār ʿalā ʿulamāʾ al-amṣār – al-mujallad al-awwal ḥattā 197

الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197

وأما ثانيا: فإنا نقول: أخبرونا عن الفرك حين اشترطتموه في المني، هل هو مزيل لنجاسته أو مخفف لها؟ فإن كان مزيلا لها فيجب أن يزيلها، وإن كان رطبا وأنتم قد أوجبتم غسل ما كان منه رطبا، وإن كان مقللا للنجاسة حصل مرادنا من بقاء النجاسة، فيجب إزالتها بالغسل؛ لأن قليل ما كان نجسا غير معفو عنه فتجب إزالته كما تجب إزالة كثيره.

قالوا: روي عن رسول الله أنه قال لعائشة: (( إذا رأيت المني يابسا فحتيه، وإن كان رطبا فاغسليه))(¬1). فظاهر الخبر دال على رطبه ويابسه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من أنه إذا كان يابسا فحته كاف في تطهيره.

قلنا: المراد من هذا هو تقدمة الحت على الغسل، فمن أين أنها لم تغسله بعد(¬2) حتها له؟ وفيه وقع النزاع، وهكذا إذا رووا عن عائشة أنها قالت: (( أمرني رسول الله أن أغسل المني من ثوبه إذا كان رطبا وأحته إذا كان جافا)). فإن الغرض الجمع بين الحت والغسل، كما روي عن النبي ، أنه سأله رجل عن المني يصيب الثوب. فقال: (( أمطه عنك بإذخرة)). والمراد تقديم الإماطة بالإذخر، ثم يغسله بعد ذلك.

ثم نقول: إنما ذكرتموه من هذه الأحاديث إنما هي واردة في حق الرسول ، ولا يبعد أن يكون منيه طاهرا، وكلامنا في مني غيره، فلا يلزم من طهارة منيه طهارة سائر المنيات من جميع الحيوانات، وأنها يجب فيها الغسل إذا أصابت الثوب دون الفرك، وهذا من جملة الخصائص والكرامات التي أكرمه الله تعالى بها، ولنشر إلى ما تميز به من بني آدم فيما يختص بالنجاسات وجملتها خمس:

الخاصة الأولى: منيه فإنه طاهر، أشار إلى ذلك الإمام المنصور بالله، فإنه قال: لا يمتنع أن يحكم الله بطهارة مائه حيا وميتا، كما كان له دخول المسجد جنبا.

والحجة على ذلك: ما رويناه من أحاديث عائشة، فإنها دالة على طهارة منيه، ولهذا فإنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله . فلو كان نجسا لكان مفسدا للصلاة.

Page 470