Intisar
الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197
Genres
وأما ثالثا: فقوله : (( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)). فاستعار لهم أسم السفينة وشبههم بها فصاروا لذلك أمانا من الغرق في بحر الجهالات، كما أن سفينة نوح أمان من الغرق في بحر الماء، ولن يكونوا كذلك إلا بإحراز العلم الشافي من الجهل وهذا هو المراد.
وأما رابعا: فقوله : (( إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). وظاهر الخبر دال على أنهما متفقان غير مفترقين فيما يدلان عليه، فإذا كان القرآن صحيحا دالا على كل العلوم الدينية والدنيوية فيجب ذلك في حق العترة.
وأما خامسا: فقوله: (( هم كالكهف وهم باب حطة)). وغير ذلك من الأحاديث التي تدل من جهة ظاهرها على كونهم أئمة الخلق دعاة إلى الله هداة لخلقه، فهي بعينها دالة على علو درجاتهم في العلم وإحرازه، وأقوى دلالة على جهة الإجمال، على علمهم، قوله : (( الأئمة من قريش))(¬1). فما هذا حاله يكفي في الدلالة على إحرازهم للعلم من طريق الإجمال.
المسلك الثاني: من طريق التفصيل، وهذا إنما يكون بالوقوف على موضوعاتهم والاطلاع على مصنفاتهم في علوم الشريعة والفتاوى النقلية والمضطربات الاجتهادية، فالناظر متى وقف على ما ذكرنا، لاح له على القرب أنهم قد أحاطوا بعلوم الشريعة وقادوها بأزمتها ودعوا بأهلها وأصحابها، وكانوا سادة لأئمتها، ويشهد لذلك تصرفهم في المسائل الاجتهادية ومكالمة الخصوم في المضطربات الفقهية مع ما شغلوا [به] من عداوة أهل البغي في أزمانهم وإقصاء أخدان الظلم في أوانهم، وإظهار حجة الله وإعلاء كلمته بالسيف، لأجل تقلدهم للأمانة ونهوضهم بأحكام الزعامة، فكانوا لهم في غاية الطرد والإبعاد عن الشغل بالتدريس وإظهار العلم خوفا على دنياهم ومحاذرة عن انثلام ظلمهم للخلق، وإكبابهم على البغي وأنواع الفسوق، فهذا ما يتعلق بجانب العلم.
Page 178