174

Imam Abu Hanifa

الإمام أبو حنيفة طبقته وتوثيقه

وفي ((الميزان)) لعبد الوهاب الشعراني: قد أطال الإمام أبو جعفر الكلام في تبرئة أبي حنيفة من القياس بغير ضرورة، ورد على من نسب إلى الإمام تقديم القياس على النص، وقال: إنما الرواية الصحيحة عنه تقديم الحديث ثم الآثار، ثم يقيس بعد ذلك ولا خصوصية للإمام في القياس بشرطه المذكور، بل جميع العلماء يقيسون في مذائق الأحوال إذا لم يجدوا في المسألة نصا. انتهى(1).

وفيه أيضا: اعتقادنا واعتقاد كل منصف في أبي حنيفة أنه لو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة، وبعد رحيل الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور، وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس كان قاسه، وكان القياس قل في مذهبه. كما قل في مذهب غيره، لكن لما كانت أدلة الشريعة متفرقة في عصره مع التابعين، وتبع التابعين في المدائن والقرى كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من الأئمة ضرورة لعدم وجود النص في تلك المسائل التي قاس فيها بخلاف غيره من الأئمة. انتهى(2).

أقول: تفرق الناس من قديم الزمان إلى هذا الأوان في هذا الباب إلى فرقتين:

فطائفة قد تعصبوا في الحنفية تعصبا شديدا، والتزموا بما في الفتاوى التزاما سديدا، وإن وجدوا حديثا صحيحا، أو أثرا صريحا خلافه، وزعموا أنه لو كان هذا الحديث صحيحا؛ لأخذ به صاحب المذهب ولم يحكم بخلافه، وهذا جهل منهم بما روته الثقات عن أبي حنيفة من تقديم الأحاديث والآثار على أقواله الشريفة، فترك ما خالف الحديث الصحيح رأي سديد، وهو عين تقليد الإمام لا ترك التقليد.

Page 183