ولما كان الشعر العربي يختلف طولا وقصرا باختلاف أوزانه كان لا بد من حصول التفاوت في النسبة بين عدد أبيات الأصل، وعددها في النقل، وليس في اليونانية شطر وبيت كالعربية، فكل شطر منها بيت تام كالرجز في عرف بعض العروضيين، إذ يعتبرون كل شطر منه بيتا كاملا، ثم إنه كثيرا ما يحصل الترابط فيها بين بيتين وأكثر بما لا يجوز إتيان نظيره في العربية؛ ولهذا لم يكن في دائرة الإمكان أن ينقل البيت اليوناني بيتا أو شطرا عربيا، إذ كلما كثرت أجزاء بحر الشعر العربي زاد اتساعه لاستيعاب المعاني، فالطويل والبسيط مثلا يستوعب البيت منهما ما لا يتسع له السريع والمنسرح، وهذان تامين يستوعبان ما لا يتسع له المجزوء من سائر الأبحر، فبهذه النسبة يمكن اعتبار كل بيت من الطويل والبسيط بمثابة زهاء بيتين من الأصل اليوناني، ويقرب منهما الكامل التام، وكل بيتين من الخفيف والسريع، والمنسرح والرجز والمتقارب، والمتدارك والوافر، والرمل واحذ الكامل مقابل ثلاثة أبيات من اليونانية، فجاءت الأبيات العربية بين العشرة والأحد عشر ألف بيت نقلا عن أصل عدده بين الستة عشر والسبعة عشر ألف بيت.
وكنت أثناء مطالعتي ترجمات الإفرنج أنكر أمورا كرهت أن ينكرها غيري علي فاجتنبتها، مثال ذلك: تصرف البعض منهم تصرفا غريبا، فيبدلون معنى بآخر ولفظة بغيرها، ولهم في ذلك أعذار تافهة أشرنا إليها في مواضعها، وأغرب من هذا ما يقدمون عليه من الحذف والإضافة، فقد رأيت في بعض المواضع أبياتا كثيرة قضوا عليها بالحذف، وأبياتا كثيرة حسنت لهم أنفسهم إضافتها حتى إن أحدهم حاك من أربعة أبيات أربعة وثلاثين بيتا ضمنها معاني لم تخطر على بال هوميروس.
المحافظة على الأصل
فكان معظم همي أن لا أحجف مثل هذا الإحجاف، فلم أتصرف بشيء من المعاني، وحافظت على الألفاظ ما أمكن فإن حذفت لفظة فهي إما من مكررات الأصل التي يحسن تكرارها في لغتها، ولا يحسن في لغتنا، وإما من الألفاظ التي يمكن استخراجها من المعنى، وقد يمكن أن تكون من الألقاب والكنى التي يستغنى عن إيرادها كل حين، وإن زدت لفظة فهي؛ إما مما يقتضيه سياق التعبير العربي، وإما قافية لا تزيد المعنى ولا تنقصه ، وإن قدمت أو أخرت فكل ذلك في فسحة قصيرة يقتضيها السبك العربي، وكان هذا أعظم قيد قيدت به نفسي.
اجتناب الوحشي والحوشي
ثم إني اجتنبت ما أمكن حوشي الكلام ووحشيه؛ طمعا بأن لا تحقره الخاصة، ولا يغلق فهمه على العامة، وإذا اضطررت إلى إثبات كلمة لغوية فتلك؛ إما لفظة وضعية لا يمكن استبدالها بغيرها، وإما قافية لا يمكن العدول عنها، وإما تعبير ليس ما يفضله في الكلام المأنوس.
الألفاظ التي لا مرادف لها في العربية
وليت هذا منتهى الإشكال في تعريب الإلياذة، فقد اعترضت لي ألفاظ وتراكيب وصفية بعضها غير مألوف في العربية، وبعضها لا يقابله مرادف أصلا، فاضطررت إلى انتقاء ألفاظ يمكن إطلاقها على المعنى المراد ونبهت عليها، وإلى نهج أسلوب في التركيب الوصفي لا يختل معه نظام العربية، ودونك أمثلة يسيرة من ذلك:
لآلهة اليونان طعام وشراب يعبر عنهما بلفظتين لا مرادف لهما في العربية، فعبرت عن الشراب بالكوثر والسلسبيل كما أوضحت في الشرح: وعبرت عن الطعام بالعنبر؛ لأن هذا لفظها باليونانية (Αμβροσια)
وهو عندهم طعام وطيب بآن واحد كما أوضحت.
Unknown page