889

وبالثاني يقول: أن المراد في قوله تعالى: {وما تعملون} التصوير، فتكون حجة لأهل السنة، ثم قال: إذا قلت عمل محرابا فإن أسندت الفعل إلىالله تعالى صح وانتصب محرابا، على أنه مفعول به، وهو أيضا مفعول أي مطلق، ومنه قوله تعالى: {مما عملت أيدينا} وقد بينا وجه ذلك فيما سبق، وإن أسندت إلى غير الله، فقلت عمل النجار محرابا لم يكن المحراب مفعولا نفسه، لما قدمنا أن عمل العباد لا يتجاوزهم، ولأن مادة المحراب ليست معمولة للعباد، وهي جزء المحراب، فأولى أن لايكون الكل معمولا لهم، وفي جعله معمولا مجاز فإن النجر واقع على المحراب وقوع الضرب على زيد، فكان المجاز في لفظ عمل ليس إلا وإن جعلت عمل على حقيقته، فإن جعلته على حذف مضاف كما سبق فالتقدير عمل تصوير محراب، فالتصوير صدر، وإذا حذف وأقيم المحراب مقامه أعرب مفعولا به على المجاز، وإن قدمت على صنعه محراب على أن تكون الصورة الحاصلة في المحراب معمولا بخلاف ما قلنا فيما سبق كان كذلك أيضا[473]وأن جعل المحراب معمولا باعتبار أنه محل العمل إطلاقا لاسم المحل على الحال لزم المجاز أيضا المجاز لازم على تقدير، ولا شك في جواز الإطلاق، قال تعالى: {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم}. انتهى. المراد نقله من كلام السبكي مع طوله، ففيه شهادة لنا بما ذكرناه فيما سبق، من أن الصور والأشكال الحاصلة في الأصنام ليست معمولة للعباد، ولا مكسوبة لهم، على ماهو الحق عند الأشاعرة، وأن المجاز لازم على كل تقدير، بل هو لازم للأشاعرة دون العدلية من جهتين، أي على تقدير كون ما موصولة، وذلك من جهت جعل الصور والأشكال الحاصلة في الأصنام عملا لهم، وذلك إنما يكون بطريق المجاز، كما صرح به السبكي في هذا الكلام، ومن جهت جعل ذوات الأصنام معمولة فإن فيه مجاز، من حيث أنها إنما كانت محلا للعمل، ولابد من مجاز آخر غير هذين، وهو أنه استعمل قوله تعملون في معنى تصور........... لما أشار إليه من أن الصنم في قولك عمل المشرك، الصنم ليس منصوبا على أنه مفعول به إلا بعد التجوز في لفظ عمل وجعله على حذف مضاف، أي عمل تصوير الصنم، وعلى هذا لا يبقى لهم متمسك على تقدير كون ما موصولة إذ لا شبهة في أنه لو قيل: والله خلقكم وما تصورون أو ما تعملون تصويره لم ينصرف إلا إلى مجرد الجواهر؛ لأن الأصنام والأشكال ليست نفسها مصورة بل جواهر الأصنام هي المصورة والمشكلة، وهي محل التصوير والتشكيل ، ومما يؤيد هذا ما أخرجه الطيالسي وغيره عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكعبة ورأى صورا فدعى بدلو من ماء فأتيته به فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يمحوها ويقول: ((قاتل الله قوما يصورون مالا يخلقون)).

Page 1006