825

وأعجب من هذا ما ذكره في محصل الإرادة من أن الشيطان يوهم عباد الأصنام أن عبادة الأصنام عبارة لله تعالى هذا كلامه الآتي هنالك إن شاء الله تعالى، فقد أكذب نفسه بنفسه فيما ادعاه هنا من أن عبادة الأصنام إنما خصوها بالعبادة؛ لأنها تميزت عندهم بما ليس من آثار الله تعالى فاستحقت العبادة دونه وصارت .........النفع والضر سواه تعالى، فاعتبروا يا أولى الألباب، وسنقف على أن الصنم المسمى بأساف كان رجلا فمسخه الله حجرا، وكذلك نايلة كانت امرأة [435]فمسخها الله حجرا، وكانوا يعبدونها مع علمهم بأن ما فيهما من الأشكال المخصوصة ليست من آثارهم بل من آثرا الله تعالى فلذا تهالكوا على عبادتها ووضعوها تجاه الكعبة، وكانوا ينحرون عندهما.

ومن البين المعلوم عند كل مميز أن لا يتأتى أن عباد الأصنام يذهبون إلى أن الموصوف بما ليس من آثار الله تعالى أحق وأولى بالعبادة بما هو موصوف بآثاره عزوجل لا غير، مع تسليمهم أنه تعالى هو الخالق لهم ولجواهر الأصنام، كما نطق به المعترض بل نطق به الفرقان، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..}. الآية. لا أنه إذا لم يكن عند العقول أن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق فلا أقل من أن يكون عند جميع العقول أن عبادة مخلوق الخالق الحقيقي المطلق أولى وأحق من عبادة ما هو معمول لمخلوق.

فإن قلت إذا كان الأمر على هذا فكيف موقع قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} بل في مجموع الجملتين أي كيف تعبدون ما تنحتون بأيديكم وتصورونه كما شئتم حذوا من إجرائه وتسوية لأعضائه، وهل يكون المعبود معمولا مفعولا؟ والمرجع للنفع ودفع الضر منحوتا تحت تصرف الراجي لنفعه ودفعه؟ وهلا وجهتم العبادة إلى الخالق لكم وللأحجار التي توجهتم إلى نحتها وعملتم ما عملتم فيها من التصوير والتشكيل؟ وهذا ما لمح إليه جار الله ولا شك أن الحجة لا تقوم إلا على تقديره.

Page 929