Al-iḥtirās ʿan nār al-nibrās al-mujallad al-awwal
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قلنا: ماذا أردت بهذا الكلام؟ فإن كان نزاعك في مجرد تسمية فعل العبد خلقا مع الإقرار منك بأن العبد محصل ومؤثر فيه فالأمر هين، وإن قد هوله إمام الحرمين في النظامية بعد اعترافه بأن العبد محصل لفعله وموجد له بقدرته وإنما فراره من تسمية العبد خالقا وذلك خطب يسير، فإن أبا القاسم الكعبي وهو من كبار بغدادية المعتزلة قد منع من انخلاق الخلق على غير فعل الله تعالى بناء على أن اللغة توقيقية، وكذا يمنع من ذلك الشيخ أبو الحسين البصري وأتباعه القائلون بأن أفعال العباد هي الأكوان من الحركة والسكون ونحوهما، وليست عندهم من جملة الذوات الحقيقية التي توصف بالخلق، والخروج من العدم إلى الوجود إذ ليست أشاء حقيقية، فلا معنى لوصفتها بأنها مخلوقة، وهذا أعني القول بأن أفعال العباد ليست أشياء حقيقية قد عراه الشيخ مختار المحققين من المعتزلة وهو مذهب الإمام يحيى بن حمزة وغيره من أهل البيت رضي الله عنهم، وعلى هذا المذهب لا يصح وصف أفعالنا بالخلق كما بينته، ولم أجده في كلامهم هكذا موضحا، وكذا ينبع من ذلك، أي إطلاق الخق على أفعالنا، الشيخ[407]عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أيضا بناء على قاعدته من اعتبار المناصبة الطبيعية فلا يصح عنده نقل الأسماء عن معاينها الأصلية لما بينها وبين مسمياتها من المناسبة الطبيعية، بل المعتزلة وسائر العدلية كافة قائلون بأنه يمتنع شرعا إطلاق الخلق على فعل العبد، وإن جاز لغة عند بعضهم فيما كان مقدرا كما مر وسيأتي، وكلام جار الله في الكشاف يميل إلى مذهب أبي الحسين، ويحتمل أنه على مذهب الجمهور، فإنه قال في سورة الرعد: ما نصه لا خالق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق. انتهى. ومثله ما ذكره في سورة العلق، وسيأتي أيضا، وعلى الجملة فإن واحد من المعتزلة وسائر العدليلة لا يذهب إلى جواز إطلاق الخلق على غير فعل الله تعالى مطلقا، وأن توهمه بعض أهل العصبية، وإن كان نزاعك في إطلاق الخلق مع عدم الإعتراف منك بالتحصيل بناء على أن الخلق والتحصيل والإيجاد والتأثير اسماء متقاربة لا يوصف فعل العبد بشيء منها أصلا؛ لأنه ليس إلا محلا وطرفا لما يخلقه الله تعالى فيه من ألأفعال على ماهو مذهب الشيخ الأشعري وأتباعه في الكسب.
فجوابه المنع، فإن الإستدلال بالآيات وسائر السمع على أن الله تعالى خلاق لما نشاهده .....عيان كالسماء، والأرض، إنما جاء من مجرد الإسناد، فلولم يكن الإسناد مفيدا للتأثير والإيجاد لم يمكن الإستدلال بتلك الآيات وغيرها، من السمع على أن الله تعالى خالق للسماء والأرض، وموجد لنا ولما فينا من الحواس، والقدرة، وغير ذلك مما لايحصى، مع أن الأشاعرة ومن يحذو حذوهم معتمدون على مجرد السمع بزعمهم، ورافضون لحكم العقل بوهمهم، لايقال أنهم ما استدلوا على ذلك بالآيات المشتملة على الإسناد بل بالآيات المشتملة على الخلق المستلزم للتأثير والإيجاد، سلمنا لكنهم لا يتهمون العقول في أحكامها مطلقا، وإلا لما بثبتهم وجود الباري وحياته وعلمه وقدرته، فإن ذلك مما يتوقف عليه صحة السمع والإستدلال عليه بالسمع يستلزم دورا ظاهرا كما صرحوا به، وإنما يتهمون العقل في الحكم بالحسن والقبح فقط، لأنا نقول:
Page 876