719

قلت: قد نقل العضد في المواقف وعيون الجواهر اجماعهم على أن الله تعالى راعى الحكمة فيما خلق وأمر تفضلا، ولذا كرر هذا المعنى في شرح مختصر ابن الحاجب في مباحث القياس، ورفض تلك الفضيحة التي قالوا بها تبعا للفلاسفة القائلين بالإيجاب أعني زعهم أنه تعالى لو فعل فعلا، وأمر بأمر لأجل شيء من الأشياء للزم أنه مستكمل بالغير لا بذاته تعالى كما سيجيء الكلام عليه، فاتضح أن ما أوردوه علينا من السخرية والاستهزاء اللازم لهم بعينه، فما أجابوا به فهو جوابنا، بل جوابنا قد ظهر بحمد الله تعالى، وعليهم الجواب عما ألزمناهم به من أن الله تعال قد كرر الأمر والطلب للسخرية، والاستهزاء بجنابه تعالى وتقدس مع جرمهم يمتنع ذلك امتناعا شرعيا، ثم نقول: أنت قد أشرت إلى أن الشكر قد يكون قبيحا، وفي هذا جهل فاحش بمذهب خصمك، فإن من مذهبهم أن وجوب الشكر بالقضية العقلية الصرفة [377] التي لا تنقلب أصلا، ولا يصح التردد في مقتضاها، وإلا بطلت الثقة بالعقول ووبطلانها بطلان الثقة بالشرائع جميعا، ولهذا قال الشيخ محمود الخوارزمي رحمه الله تعالى: لا يصح نسخ شكر المنعم فضلا عن قبحه، وهو كما قال، وذلك؛ لأن الشرع إنما ثبت بالعقل فإذا أطرحت أحكام العقل بطل الاعتماد على الشرع، ومذهبكم إنما بني عليه باعترافكم فانظروا ماذا ترون.

فإن قلت: أنكم لم تطرحوا أحكام العقل كلها، بل إنما طرحتم حكمه في الحسن والقبح.

Page 810