Al-iḥtirās ʿan nār al-nibrās al-mujallad al-awwal
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قولهم: في جميع مواطن الجدال المتعلقة بأفعال الله وأحكامه تعالى، هذا مبني على الحسن والقبح عقلا مع كون تلك المواطن نازحة عن محل الثواب والعقاب قطعا واتفاقا كما سبق، ألا ترى أن الرازي وهو عمدة من بعده من الأشاعرة قال في المحصل بعد [368] هذا المعنى الذي زعموا أنه هو محل النزاع ما نصه: من صور النازع قبح تكليف ما لا يطاق فنقول: لو كان قبيحا لما فعل الله تعالى، وقد فعله بدليل أنه كلفه الكافر بالإيمان مع علمه أنه لا يؤمن به غى آخر كلامه، فانظره يزدك يقينا ثم انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبين، ولا أدري كيف صدور مثل هذا الكلام من مثل هذا الإمام فإن كل أحد يعلم أنه لا ثواب والا عقاب في هذه الصورة التي زعم أنها من صور النازع، ومن كرر النظر في كلامهم لم يجد ذكرهم للثواب والعقاب إلا ترسا يتخذوه لرد سهام التوبيخ في المضايق، ولكنه يرمي به ويطرح عند الحقائق كما طرحه الرازي في الكلام المذكور حيث جعل تكليف ما لا يطاق من صور النزاع مع امنتاع الثواب والعقاب فيها أي امتناع، وهكذا المعترض ما ذكر الثواب والعقاب إلا في أول البحث، وأطرحه في جميع ما يأتي من المواضع التي هي بمعزل عن الثواب والعقاب، بل إنما يقول هذا تحكيم للعقل هذا مبني على أصلكم الفاسد في الحسن والقبح، ونحو ذلك من العبارات التي هي شاهدة عليه بالافتراء في هذا المقام، ومنادية بأعلى صوتها بأنه كمشائخه رافض لما للعقل من الأحكام لا مجرد ما قال أنه محل النزاع غشا للقاصرين عن معرفة الكلام ومدارك النزاع والخصام، وقد قال سعد الدين ما عرفته سابقا من أن مبنى التعريض للثواب والعقاب على أن الكلام في أفعال العباد هذه عبارته المنقولة فيما سبق عن شرح المقاصد، ومعنى ظاهر في أنه لا يتأتى في ما وقع النزاع فيه من أفعال الباري وأحكامه، وهي معظم ما وقع النزاع فيه، وأن دعوى المعتزلة فيما هو أعم من أفعال العباد، ففي كلامه شاهد صدق على مطلوبنا، بل هو اعتراف بأن محل النزاع بريء عن مدخلية الثواب والعقاب، فقد طال المجال في هذا المقال، فأفضى إلى الأطناب دوما لإزالة اللبس ودفع الإرتياب فلنقتصر على هذا القدر، ولنورد هنا شيئا من حجج الأصحاب وإن كان الكلام في هذا البحث ظاهرا ما عليه حجاب، لكن إيراده في هذا المقام كالبرهان لما ادعيناه والبيان لما نقمناه على الخصوم ونعيناه، فلا نورد هنا إلا ما هو مسطور في كتبهم مشهور في تحريهم وتصحيح مذهبهم، فنقول: قال سعد الدين في شرح المقاصد ما نصه: الخامس: -أي من وجوه ستة أوردها من أدلة المعتزلة- أنا قاطعون بأنه يقبح عند الله تعالى من المعارف بذاته وصفاته أن يشرك به، وينسب إليه الزوجة والولد وما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدوث يعني أنه يستحق الذم، والعقاب في حكم الله سواء ورد الشرع أو لم يرد.
والجواب أن مبنى القطع على استقرار الشرائع على ذلك، واستمرار العادات بمثله في الشاهد فصار قبحه مركوزا في العقول بحيث يظن أنه مجرد حكم العقل.
Page 791