630

قلنا: صحيح فلو استعملته عند المغالطة تبق لكم لو كان الإنسان موجدا لأفعاله لكان عالما بها، لكنكم غالطتم وتجاهلتم عن هذا، وأنتم تعرفون أن استحضار العلم بالشيء غير العلم به على أنه لو سلم انتفاء التالي فالملازمة ممنوعة، فليس عدم العلم لعدم الإيجاد، ولا كل موجد عالما أوجده علما تفصيليلا لا بد لذلك من الدليل، ولو كان مجرد الإيجاد دلت على علم الموجد لم يحتج إلى الاستدلال بالأحكام على عالمية الباري تعالى، بل كان الدليل على قادريته تعالى هو الدليل على عالميته عزوجل كما سيجيء التذكير به إن شاء الله تعالى، وإذا لم يكن مجرد الإيجاد والتأثير دليلا على العلم، علمنا أن الإيجاد والتأثير لا يستلزم عمل والموجد والمؤثر؛ لأن شأن الاستلزام إذا ثبت أن يكون العلم بوجود الملزوم يستلزم القلم بوجود لازمه، والعلم بإنتفا اللازم مستلزما للعلم بانتفا ملزومه، وما ذكرناه فدل على أنه يحصل العلم بانتفا عالمية الموجد المؤثر، ولا يحصل العلم بانتفا كونه قادرا موجدا، مؤثرا، وكذا يحصل العلم بأنه موجد مؤثر في فعله، ولا يحصل العلم بأنه عالم بها، وإلا لما احتجنا إلى الاستدلال بالأحكام على العالمية بعد العلم بأنه تعالى قادر على إيجاد أفعاله، والتأثير فيها كما مر، وقد سلم إمام الحرمين هذا المعنى في مؤلفه المسمى بالنظامية في أثناء الكلام من الركن الأول، وجعل العبد موجدا لأفعاله، وإن كان غير عالم بها، وقد عرفت اعتراف المعترض في مؤلفه الموسوم بالأمم أن النظامية هي المعتمد عليه في مؤلفات إمام الحرمين كما مر، ولو سملت الملازمة فلم لا يجوز أن يكون عدم العلم لعدم التوجه إلى المقدور وإيرادة العلم بتفاصيله أو لا يترتب على ذلك غرض صحيح، ولو سلم عدم العلم مع كمال التوجه فيجوز أن يكون ذلك بسبب عدم الاحاطة بإجراء المقدور، وكيف يحيط بحركات الأعصاب والعروق الباطنة، وما في المقدور من الأشياء المحجوة عن إدراك الفاعل.

وأما مثل قوله تعالى: {لا يعلم من خلق...} الآية فلا شبهة لهم فيها لما عرفت في صدر الكتاب من الكلام على الخلق.

سملنا لكن هذه الآية بأن تكون حجة عليهم أولى من أن تكون جهة لهم؛ لن مناط القدح فيها نكال العلم، الجملة الحالية -أعني قول تعالى: {وهو اللطيف الخبير}- فلو كان مجرد الخلق كافيا في الدلالة على علم الخالق كانت هذه الجملة مستغنى عنها، وحاشاها من اللاغية، وهذا البحث الذي تعرضنا له هنا، وليس من مواضعه في باب قول متمم بن نويرة، وهذا [328] دعوني فهذا كله قبر مالك.

قوله: وإذا ثبت العلم ثبت العقل.

Page 702