Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله)) (١) وهذا الكلام يدل على أن الامام أحمد رضى الله عنه لم يسمع المسند إلا لأولاده وأهل بيته، وهو فى ظاهره يخالف ما اشتهر من أنه رضى الله عنه كان يملى الحديث من الكتب التى جمعها لكل من يسأله عن حديث، ولكنه عند التحقيق لا مخالفة؛ لأنه فى مدارسته لطالبى الحديث كان يقرأ عليهم من كتبه ما يطلبون، ولم يكن بهذا يسمعهم كتابا كاملا حاويا كل ما جمع من حديث تلقاه بالسماع من مختلف الشيوخ فى كل البقاع الاسلامية، بل يلقى ما يرى الحاجة الخاصة لسائله، أو العامة داعية لالقائه، ولما أحس بدنو الأجل ألقى على خاصته كل ما جمع، وأسمعهم كل ما تلقى، حتى لا يضيع ما سمعه، وليكون ما تلقوه للناس إماما.
وإن الكلام الذى نقلناه عن الجزرى يدل على أمر آخر، وهو أن المسند المروى ليس هو الذى اسمعه أحمد لأولاده، بل عليه زيادات أخرى ضمها ابنه عبد الله راوى المسند، فألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه، ويماثله، فهل معنى هذا أن المسند الموجود، وهو رواية عبد الله هذا ليس كله لأحمد؟ الجواب عن ذلك أن ما ضمه عبد الله ربما لا يكون عن سماع من غير أبيه، بل من سماعه عن أبيه نفسه، ولكنه لم يكن مما أملاه عليهم عند املاء المسند، ويكون ما رواه عبد الله عن أبيه، وهو المسند. ولكنه لم يكن سمع الكل على أنه المسند من أبيه، رضى الله عنهم أجمعين، ولا نمنع أن يكون قد زاد عليه من غير أبيه كما قال بعض العلماء.
٤٣- ورواى المسند المنقول المتداول اليوم بين أيدى طلاب الحديث وقارئيه هو عبد بن أحمد، ومن الواجب أن نعرفه، فإن ذلك من تعريف المسند الذى رواه، إذ أن الثقة بالناقل اطمئنان إلى المنقول.
قد شغف عبد الله منذ صغره بطلب الحديث، فطلبه عن أبيه، ومن غيره، وإن كان أكثر ما روى فى حياة أبيه كان عن أبيه، ولقد قال: كنت أعرض الحديث على أبى رضى الله عنه، فأرى فى وجهه التغير، ويقول كأنك تطلب ما لم أسمعه))(٢)
(١) راجع فى هذا مقدمة المسند طبع المعارف بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر.
(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص ١٣٢.
160