Hikmat Gharb
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
Genres
أما الدليل الرابع على وجود الله، فيبدأ من الاعتراف بوجود درجات مختلفة للكمال في الأشياء المتناهية، ثم يقول إن هذا يفترض وجود كائن تام الكمال. وأخيرا فإن الدليل الخامس يشير إلى أن الأشياء غير الحية في الطبيعة تبدو موجهة نحو غاية ما؛ لأن العالم يسوده نوع من النظام، وهذا دليل على وجود عقل خارج عن العالم تلبى غايات على هذا النحو، ما دام من المستحيل أن تكون للأشياء الجامدة غايات في ذاتها. هذه الحجة التي تسمى بالحجة الغائية أو برهان التنظيم والتصميم، تفترض ضرورة إيجاد تعليل للنظام. ومن المؤكد أن هذا الافتراض لا يوجد له سبب منطقي؛ إذ قد يكون من حقنا بنفس المقدار أن نطالب بتفسير لعدم النظام، وعندئذ تسير الحجة في الطريق المضاد. أما الدليل الأنطولوجي الذي قال به القديس أنسلم، والذي تحدثنا عنه من قبل، فقد رفضه الأكويني، وإن كان من الغريب أنه رفضه لأسباب عملية لا لأسباب منطقية، فلما كان من المستحيل على أي عقل مخلوق، وبالتالي متناه، أن يحيط بالماهية الإلهية، فمن المحال أن يستنبط على هذا النحو وجوده الذي تطوى عليه ماهيته.
وعلى حين أن إله الأفلاطونية الجديدة كان مندمجا في وجوده بالعالم على نحو ما، فإن إله الأكويني أشبه بكاهن أعظم غير متجسد، يترفع على عالم المخلوقات. وبهذا الوصف فإنه يتمتع بكافة الأوصاف الإيجابية بدرجة لا متناهية، وهو أمر يعد لازما عن مجرد وجوده، وإن كنا لا نستطيع أن نقول عن هذا الموضوع إلا أوصافا سلبية؛ لأن العقل المتناهي عاجز عن الوصول إلى تعريف إيجابي.
وهكذا سيطر أرسطو على الميدان الفلسفي حتى عصر النهضة، ولكن في الصيغة التي وضعها توما الأكويني. وعندما جاء عصر النهضة لم يكن ما رفضه ذلك العصر هو تعاليم أرسطو أو حتى الأكويني، بقدر ما كان مجموعة من العادات السيئة في استخدام النظر والتأمل الميتافيزيقي.
أما روجر بيكن فقد أكد أهمية الدراسة التجريبية في مقابل التأمل الميتافيزيقي، وكان روجر بيكن هذا واحدا من سلسلة الباحثين الفرنسسكان الذين أدى تأثيرهم إلى بدء انهيار أساليب التفكير السائد في العصور الوسطى. وقد كان معاصرا لتوما الأكويني، ولم يكن معارضا للاهوت بأي حال؛ فهو حين وضع الأسس التي تطور بناء عليها المزيد من الاتجاهات الحديثة فيما بعد، لم يكن يهدف إلى هدم سلطة الكنيسة في الأمور الروحية. وهذا يصدق بوجه عام على المفكرين الفرنسسكان في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. ومع ذلك فإن الطريقة التي عالجوا بها مشكلة العقل والإيمان قد عجلت بانهيار العصور الوسطى.
كان المذهب التوماوي يرى كما ذكرنا منذ قليل أن العقل والوحي يمكن أن يتداخلا ويتلاقيا، ولكن العلماء الفرنسسكان أعادوا النظر في هذا الموضوع، وأخذوا يبحثون عن فوارق أوضح بين الاثنين. وكان هدفهم من الفصل القاطع بين ميدان العقل وميدان الإيمان هو تحرير اللاهوت بمعناه الصحيح من اعتماده على الفلسفة الكلاسيكية. ولكن هذا أدى في الوقت ذاته إلى تحرير الفلسفة من الخضوع للغايات اللاهوتية، ولا بد أن يصاحب السعي الحر إلى النظر الفلسفي عكوف على البحث العلمي. وقد أكد الفرنسسكان بوجه خاص تأثير الأفلاطونية الجديدة مرة أخرى.
وكان معنى ذلك تشجيع دراسة الرياضيات. ومنذ ذلك الحين أصبح الفصل القاطع للبحث العقلي عن ميدان الإيمان يقتضي أن يكف العلم والفلسفة عن الدخول في صراع مع عقائد الإيمان، ولكن كان ينبغي على الإيمان بدوره ألا يدعي أنه يعلن عقائد لا تناقش في الميادين التي يستطيع فيها العلم والفلسفة أن يستقلا بذاتهما. على أن هذا الوضع يهيئ ظروفا لصراعات أشد حدة مما كان يحدث حتى ذلك الحين؛ ذلك لأنه إذا كان الحريصون على الإيمان يصدرون أحكامهم، في مسائل يتضح أنها لا تدخل في نطاق الإيمان، فإن هذا أمر يلزم عنه ضرورة انسحابهم، أو خوضهم معركة في أرض ليست من حقهم. وهكذا فإن الوحي لا يستطيع الاحتفاظ باستقلاله إلا بالامتناع عن خوض المسائل الجدلية. وبهذه الطريقة يستطيع الناس أن يكرسوا حياتهم للبحث العلمي، ويكون لدى كل منهم في الوقت ذاته معتقده الإلهي الخاص. والواقع أن التوماويين قد أضعفوا مركزهم اللاهوتي عندما حاولوا إثبات وجود الله، بغض النظر عن مسألة عدم نجاح البراهين ذاتها. وهذا يعني من ناحية الإيمان الديني أن معايير العقل لا تنطبق فحسب، وأن للروح بمعنى ما الحرية في أن تدين بالولاء لما تشاء.
لقد عاش روجر بيكن على ما يبدو من 1214م حتى 1294م، وإن كان التاريخان غير مؤكدين، وقد درس في أكسفورد وباريس، واكتسب معرفة موسوعية بكل فروع العلم على طريقة الفلاسفة العرب السابقين. وقد كان صريحا في معارضته للتوماوية؛ فقد بدا من الغريب في نظره أن يكتب توما الأكويني عن أرسطو، وكأنه حجة في موضوعه، مع أنه لا يستطيع قراءته؛ ذلك لأن الترجمات لا يمكن الوثوق بها أو الاعتماد عليها. وفضلا عن ذلك فمع أهمية أرسطو هناك أشياء أخرى لا تقل عنه أهمية؛ أولها الرياضيات التي كان يجهلها التوماويون . أما إذا شئنا اكتساب معرفة جديدة، فعلينا أن نلجأ إلى التجربة بدلا من أن نرتد إلى ما قاله مشاهير القدماء. ومن الملاحظ أن بيكن لم يهاجم المنهج الاستنباطي المتبع في الجدل المدرسي لذاته، بل أكد أن استخلاص النتائج ليس كافيا، ولا بد لكي تكون هذه النتائج مقنعة من أن تصمد لاختبار التجربة.
ولقد كان من الطبيعي أن تجلب هذه الآراء الجديدة على صاحبها سخط المتمسكين بحرفية العقيدة. وهكذا أبعد بيكن من أكسفورد عام 1257م، ورحل منفيا إلى باريس. وفي عام 1265م تولى القاصد الرسولي (مندوب البابا) السابق في إنجلترا، وهو «جي دي فولك
Guy de Foulques » منصب البابوية باسم كليمنت الرابع. ونظرا إلى اهتمامه بآراء رجل العلم الإنجليزي هذا، فقد طلب منه ملخصا لفلسفته، وقدم بيكن بالفعل هذا الملخص عام 1268م، على الرغم من وجود حظر فرنسسكاني. وقد تلقى البابا آراء بيكن بالترحاب، وسمح له بالعودة إلى أكسفورد، غير أن البابا مات في العام نفسه، واستمر بيكن يتصرف بطريقة أقل حذرا مما ينبغي. وفي عام 1277م أدين إدانة عظمى، ودعي مع كثيرين غيره لشرح آرائه.
وليس من المعروف بالضبط ما هي المسألة التي وجدوه فيها مذنبا، ولكنه قضى خمسة عشر عاما في السجن، ولم يطلق سراحه إلا عام 1292م، ثم مات بعد سنتين.
Unknown page