3
عضوا في المجلس يتكلم برأي ويدافع بفصاحة وقوة عن اتجاهه. فوقفت مع اثنين من زملائي بجانب الأستاذ الإيطالي، وشغل الموضوع مجلس الجامعة عدة جلسات، كلما أقحمناهم بالحجج أجلوا الموضوع لإعداد حجج أخرى، وأخيرا بعث إلي وزير المعارف فقابلته وكلمني في موضوع آخر ليس هو الغرض من الدعوة فلما استأذنت في الانصراف قال: إنه بلغه أني أعارض أشد المعارضة في تعيين الأستاذ الفرنسي، وأن هناك اعتبارات تجعله أليق وأنسب، فقلت أظن أن معالي الوزير يسره أن يرى رجاله يدافعون عما يعتقدون أنه الحق، وأنهم يتحدثون بما في ضمائرهم وكما يتجلى الحق أمام أعينهم، وسلمت عليه وانصرفت، وأخيرا تقرر في مجلس الجامعة تعيين الأستاذ الإيطالي، فكان هذا نجاحا باهرا شجعني على المضي في هذا الطريق، وأشهد الله أني التزمته في كل ما عرض، وأني اتخذت المسائل المعروضة كالقضايا التي كانت تعرض علي إذ كنت قاضيا أنظر إليها وأدرسها وأسمع حجج المتخاصمين فيها، وأحكم حكما موضوعيا لا شان فيه لعواطفي ومشاعري ما أمكنني.
وقد استفدت من هذا المجلس تجربة أخرى، وهي أن كثيرا من الناس يتضايقون من المعارض وقد يحاولون إيذاءه والتنكيل به، ولكنهم إذا تيقنوا أنه إنما يدافع عما يعتقد، وأنه إذا دافع بأدب، وفي لياقة ولباقة، من غير أن يمس شعورهم وكرامتهم كان موضع الاحترام والإجلال والكرامة من مؤيديه وخصومه معا.
وكثيرا ما كانت تعرض مسائل شائكة، فأقف فيها - مع بعض إخواني - الموقف نفسه؛ يجتمع المجلس - مثلا فيقرر فصل طلبة لأنهم مشاغبون، ومن حزب غير حزب الحكومة، فإذا جاء حزبهم وتولى الحكم عرض على المجلس إرجاعهم والعفو عنهم فيرجعون، فكنت شديد المعارضة لهذا التصرف مما يغضب هؤلاء وهؤلاء.
ومرة أوعز إلينا بمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض الأجانب الأوروبيين وهم في الخارج، وكان إيعازا قويا، ولم أتبين أنا وزملائي وجه الحق في هذا المنح، فوقفنا نعارض في منحهم هذه الدرجات، وأخذ القرار بمنحهم بالأغلبية ولكني غضب على غضبة شديدة. وفكر في إخراجي من مجلس الجامعة بل من الجامعة كلها، ثم لا أدري ماذا حدث حتى انتهت المسألة بسلام.
ولا أنسى مرة قرر مجلس الجامعة إرسال خطاب شكر للطفي باشا السيد عقب أن ترك مجلس الجامعة، ولكن الحكومة كانت غاضبة عليه، فلم يرسل الخطاب إليه، ثم تبدلت الحكومة، وجاءت حكومة أخرى مؤيدة للطفي باشا، فأرسل الخطاب، فوقفت في المجلس ويدي ترتعش وصوتي يتهدج، ألوم القائمين بالأمر على هذا التصرف، وأستحث الأعضاء على احترام كلمتهم والحرص على تنفيذ آرائهم، وهكذا وهكذا، فكانت كل جلسة درسا مفيدا وأحيانا درسا قاسيا.
وقابلني مرة الأستاذ مكي الناصري، المغربي المراكشي، وأخبرني أن المنطقة الخليفية وعاصمتها تطوان قد رأت من الخير أن ترسل بعثة إلى مصر من الطلبة المغاربة المراكشيين وأنه يريد مني الإشراف عليها وأنه يمد المشروع كل شهر بما يلزمه فقبلت.
واستأجرنا مكانا لبعثة الطلبة وكانوا نحو عشرين بعضهم يتعلم في كلية الآداب وبعضهم في دار العلوم وبعضهم في مدارس صناعية، ورتبت لهم معيشتهم في البيت ومن يشرف عليهم، ومن يشرف على صحتهم، وأجرت لهم ناديا للاجتماع ولإلقاء المحاضرات المناسبة وربطت المشروع بلجنة التأليف فنشرت كتبا كثيرة على حساب بيت المغربي هذا: مثل أكثر أجزاء «أزهار الرياض، للقاضي عياض» وترجمة كتاب «الحضارة الإسلامية» للأستاذ متز وكتاب في النهضة الغربية وأسسها، وأزمعت إخراج أطلس جغرافي يشمل بلاد المغرب جميعها، ورجوت المختصين في هذا الموضوع أن يقوموا به. ولم يمنع من إخراجه إلا قيام الحرب العالمية الثانية، وغلاء الورق، والطبع، وأخيرا حارب المشروع دولتا إسبانيا وفرنسا، فقضيتا عليه. فكان هذا أيضا مما استنفد مجهودا كبيرا مني.
وفي أول إبريل سنة 1939 كان قد خلا مركز عميد كلية الآداب بعد أن تولاه من المصريين الدكتور طه حسين والدكتور منصور فهمي والأستاذ شفيق بك غربال، ونظام الجامعة يقضي بأن مجلس الكلية يختار ثلاثة من بين الأساتذة يعين أحدهم وزير المعارف، فاختير ثلاثة وكنت أكثرهم أصواتا فيعينني المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا عميدا، وقد عجبت أنا نفسي من هذا الاختيار، فأنا رجل دخيل على الجامعة بحكم تربيتي الأزهرية الأولى وتربيتي شبه الأزهرية في مدرسة القضاء، وأنا رجل لم أتعلم في جامعة مصرية ولا أجنبية، وأنا رجل لم يتعلم لغة أجنبية إلا ما تعلمته من اللغة الإنجليزية بعناء وبقدر محدود، فكيف أختار لهذا المنصب وأرأس الأساتذة الأجانب والأساتذة المصريين ممن تعلموا في الجامعات الأوروبية ونحو ذلك؟ الحق أني أكبرت هذا كله وشعرت بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقي، ولكني تذكرت قول المرحوم الشيخ محمد عبده: «إن الرجل الصغير يستعبده المنصب، والرجل الكبير يستعبد المنصب» أو ما معناه ذلك.
ها أنذا في عمادة كلية الآداب، قد شغل وقتي كله بأعمال إدارية أكثرها لا قيمة له، فكل الأوراق تعرض علي حتى شراء مكنسة، وكل أعمال الطلبة والأساتذة تعرض علي حتى الكلمة النابية يلفظها طالب، إلى شكاوى الطلبة وما أكثرها! وتزاحم المدرسين والأساتذة على العلاوات والدرجات وتسوية الحالات وما أصعبها! فكان هذا يشغل وقتي، حتى لا أستطيع أن أفرغ للعلم إلا قليلا، ولا أن أفرغ للنظر في المسائل الأساسية كمناهج التعليم وطرق التربية إلا بقدر، وهذه عدوى من نظام الحكم في مصر حيث تتركز الأعمال كلها في يد رئيس المصلحة، وما كان أحرى الجامعة أن تتخلى عن ذلك، وتوزع الاختصاص ويتفرغ العميد للمسائل المهمة، ولكن أنى لنا ذلك!
Unknown page