رأينا ليدن وكأنها دير كبير يتعبد فيه رجال العلم، تموج بالعلماء والمكاتب وفيها مطبعة بريل الشهيرة التي كان لها الفضل الكبير في طبع كثير من الكتب العربية، وكنا قد كتبنا إلى سكرتارية المؤتمر بحجز أمكنة لنا، فلما رأيناها لم تعجبنا كثيرا لأنها كانت أشبه بمساكن الطلبة، ففضلنا أن نسكن في لاهاي وننتقل كل يوم إلى ليدن، وكان يصحبني في هذه الرحلة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور الذي آنسني بمصاحبته، وخفف عني بعض أعبائها، فجزاه الله خيرا.
وانعقد المؤتمر واستمعنا فيه إلى أبحاث المستشرقين في الإسلاميات والأدب العربي والهنديات والصينيات وما إلى ذلك، وجاء يوم بحثي، وكان موضوعه «نشأة المعتزلة» وكان يوما عسيرا فلم أعتد في حياتي أن أخطب أو أحاضر باللغة الإنجليزية، وقد كنت وجهت أكبر اهتمامي عند تعلمي لها إلى الإجادة في فهم ما أقرأ من كتب والترجمة منها إلى العربية، لا في الكتابة بالإنجليزية ولا بانطلاق اللسان في الحديث بها، وكان رئيس اليوم الذي ألقيت فيه محاضرتي هو الأستاذ مرجوليوث، وقد استأذنته في إلقاء المحاضرة باللغة العربية فأبى، وقال إن أكثر المستمعين لا يفهمون العربية إلا قليلا، وخير أن تلقيها بالإنجليزية، فألقيتها في خجل، لا من الموضوع ولا مما كتب، ولكن لأنها أول تجربة لي من هذا النوع، وما إن انتهيت من إلقائها حتى بلعت ريقي وتنفست الصعداء. ورجعت من هولنده إلى فرنسا وأقمت فيها أياما أخرى في باريس واستقبلني فيها صديق آخر
2
لم يكن عنيفا كالصديق الأول، بل كان رفيقا بي، وأراني ما لم أكن رأيت، واستمتعت فيها بالراحة والهدوء والأحلام أكثر مما كنت استمتعت وأخذت السفينة
3
من مرسيليا إلى مصر فانكسرت في الطريق واضطرت أن تعرج على إيطاليا، واستغرق إصلاحها أياما، فانتهزت هذه الفرصة لزيارة المدن الإيطالية القريبة كميلانو وجنوة فشاهدت كنائسها الضخمة وأبنيتها الفخمة ومقبرتها الجميلة وفنها البديع، ثم عدت إلى مصر بعد أن شاهدت معالم المدنية الحديثة ووقفت على بعض أسرار تقدم هذه الأمم، وكنت في أكثر ما أرى يشتغل ذهني في المقارنة بين الشرق والغرب - أذكر ذلك إذا رأيت الآلات والمصانع وتقدمها، والشوارع والبيوت ونظافتها، والناس ونظامهم، والمرأة وأهمية مركزها في الحياة الاجتماعية، حتى لو نسب الفضل الأكبر في المدينة الحديثة لكان أكثره يرجع إلى المرأة. فالمرأة التي تربي الأمة وهي التي تعود أبناءها النظام والأخلاق، والمطر هو الذي يهيئ الطبيعة ويصوغها صياغة جميلة ويكسو الجبال الصخرية بالأشجار والنبات فيكون من ذلك منظر بديع. وعلى الجملة فالمرأة والمطر من وراء كل مظهر من مظاهر المدنية ، حتى لو قلت إن مقياس رقي الأمم التي شاهدتها هو درجة المرأة في الرقي وانهيار الأمطار في أوقات مختلفة لم أكن بعيدا عن الصواب؛ أعجبني في فرنسا ذكاء أهلها ونشاطهم وكثرة حركتهم، وأعجبني في إنجلترا نظامهم وتعقلهم وضبط عواطفهم وهدوؤهم في أعمالهم، وأعجبني في هولنده نظافتهم ونجاحهم في الحياة وجدهم وعلمهم، وأعجبني في إيطاليا فنهم.
وعلى الجملة فلا أستطيع أن أحصر ما استفدت من هذه الرحلة فقد اختزنت منها كثيرا، وفي كل مناسبة كنت أستخرج من هذا المخزن ما أستفيد منه مما لم يكن يخطر لي حين الرحلة على بال، وأهم ما استفدته هو تمكني من المقارنة بين الشرق والغرب، فقد كانت رحلتي إلى الغرب معادلة رحلتي إلى الشرق، فكنت دائما أنظر إلى هذا نظرة وإلى ذاك نظرة، وأستخرج الحكم بعد المقارنة، وكنت قبل ذلك لا أرى إلا لونا واحدا ولا أسمع إلا صوتا واحدا.
وأتممت الاستفادة من هذه الرحلة برحلة أخرى إلى أوروبة نفسها سنة 1938، فقد اختارتني الجامعة أيضا عضوا في مؤتمر المستشرقين في بروكسل، وزرت إيطاليا وفرنسا مرة أخرى، واستعدت ذكريات ماضية، وأردت أن أستفيد جديدا فذهبت إلى سويسرا وأقمت فيها أياما فنزلت في مدينة لوسرن، وركبت بحيرتها واستمتعت فيها بجمال مناظرها الباهرة.
ويوما ركبت بحيرة لوسرن مع صديقي الدكتور عبد الوهاب عزام، فأعجبنا منظر قرية على البحيرة اسمها كيرسبتن، نزلناها وتجولنا فيها وصعدنا في مرقاتها إلى أعلاها فوجدنا فندقها وبيوتها، فطفناها وتوغلنا فيها، فرأينا غابات جميلة ورأينا في مدخل إحدى الغابات بيتا صغيرا لطيفا زرعت أمامه أشجار التفاح، فسألنا أصحابه: هل يقبلوننا نزلاء فيه؟ فقبلوا ونقلنا أمتعتنا من فندق لوسرن إلى هناك - وأقمنا فيه أياما ننعم بمنظر الغابات ومنظر الجبال المزروعة، والأبقار ترعى في الحقول وكل بقرة تحمل جرسا يناسب حجمها، فتتكون من أصوات هذه الأجراس موسيقى جميلة تأخذ بلب السامع في هذا الفضاء الواسع والسكون الشامل، ونرى بيت هذه الأبقار فنتمنى لو تيسر مثل هذه البيوت لفلاحينا في مصر: نظيفة جميلة أضيئت بكهرباء وفرشت بألواح الخشب ، وحدد لكل بقرة منامها ومجرى ما يخرج منها، فلا ترى في بيوتها إلا نظافة وأناقة، وكنا في أغسطس، وكان الجو باردا كصميم الشتاء في مصر. وخرجنا من سويسرا بعد أن امتلأنا روعة من جمالها وصحة ونشاطا من طيب هوائها، واتجهنا إلى بروكسل حيث المؤتمر، وقد تعلمت من الدرس الماضي في لندن فآليت ألا أحاضر إلا باللغة العربية، وكان من حظي أن أكثر المستمعين يجيدونها، وكان موضوع محاضرتي «أبو حيان التوحيدي وكتابه الإمتاع والمؤانسة» وقد تحدثت وأنا مالئ يدي من موضوعي ومن لغتي فنجحت وحدثت لي حادثة طريفة في بروكسل، فقد ذهبت إلى حلاق لا يعرف كلمة إنجليزية وأنا لا أعرف كلمة فرنسية فكان كلما حدثني وأنا
Oui
Unknown page