127

إذ كانت حجة اليهود إلى أرض الميعاد غير الحجة إلى عرفات، أو إلى كنيسة القيامة أو ما شابهها من الديانة المسيحية ...

فإن المسلمين والمسيحيين يقضون مناسك الحج، ويعودون إلى أوطانهم التي نشئوا فيها وألفوا معالمها ...

أما اليهودي حين يهجر بلاده إلى الوطن القومي بفلسطين، فإنه يترك وطنه الذي نشأ فيه وألف معالمه ليستنبت نفسه في وطن جديد ... ولا يفعل ذلك إلا بدافع قوي من الأمل في تحسين الأحوال، أو بدافع قوي من الحماسة الروحية ... فليس من شك في أن اليهودي الناجح في وطنه - الأوروبي أو الأمريكي - لن يهجر ذلك الوطن ليستأنف الحياة زارعا أو بائعا في ناحية يجهلها من أرض فلسطين، ولن يبيع نجاحه المحقق بأمل بعيد يمنيه به الزعماء الصهيونيون، بالغا ما بلغ من الإيمان بوعود صهيون ...

ولنذكر أن اليهودي قد ألف العمل في التجارة والصفقات المالية، ولم يألف العمل في الزراعة وتربية الدواجن، وما إليها من أعمال الفلاحة ورعي الحيوان ... فهو لا يقدم على تبديل مألوفاته إلا إذا اتفق الشظف والتعصب والأمل في المجهول على إقناعه بالهجرة وإمداده بالبواعث النفسية التي تساعده على هذا التبديل ... وقلما تعمر هذه البواعث إلى زمن طويل ...

والذي نعتقده أن «النقلة الصهيونية» هي نقلة مصطنعة عارضة تخلقها تلك العوامل الموقوتة التي أشرنا إليها، وينفخ فيها عاملان آخران موقوتان، وهما دعاية الزعماء واضطهاد الطوائف الإسرائيلية في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية ... ولولا هذان العاملان لبقيت الصهيونية حيث كانت أملا من آمال الخيال.

ظهرت في الأيام الأخيرة مذكرات اللورد «هربرت صمويل»، الذي كان أول مندوب سام على فلسطين من قبل الدولة البريطانية ...

وهو سياسي فيلسوف ينتمي إلى أسرة إسرائيلية كبيرة في البلاد الإنجليزية، ويتكلم بكثير من الصراحة عن موقف زعماء اليهود من الدعوة الصهيونية عند ظهورها واشتدادها في أعقاب الحرب الماضية، ومن هذه المذكرات يتبين لنا أن ثلاثة من عظماء اليهود الإنجليز، الذين شاورتهم الحكومة البريطانية في إعلان الوطن القومي بفلسطين كانوا معارضين لإعلانه متشائمين من عقباه، وعلى رأسهم «إدوين منتاجو» الذي كان وزيرا للهند في وزارة لويد جورج الائتلافية ...

فحماسة الشعوب الإسرائيلية للوطن القومي هي حماسة مصطنعة مبالغ فيها بغير مراء، وأقل ما يقال فيها: إنها ليست بالحماسة الاجتماعية التي تقاوم جميع المصاعب، وتذلل جميع العقبات ...

وإنما قامت الحركة كلها على دعاية الزعماء، وصادفت هذه الدعاية ما صادفته من النجاح لأمرين لا مناص منهما للمثابرة على نشاط الحركة واستمرارها ...

هذان الأمران هما: «أولا» سهولة الحصول على الوطن العربي القومي في أعقاب الحرب الماضية، و«ثانيا» صعوبة المقام في كثير من الأقطار الأوروبية على اليهود، لما كانوا يلقونه هناك من ضروب الحجر والاضطهاد ...

Unknown page