إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
4
فإذا ظل أبو سفيان ومن معه على دين آبائهم فليس ذلك إيمانا منهم به أو بحق يحتويه، بل هو حرص على نظام قديم أقامه ثم أفاء الحظ عليهم في ظله من بسطة المال والجاه ما يحرصون عليه ويحاربون الحياة كلها دونه.
وإلى جانب هذا الحرص كان يقوم الحسد والتنافس والتنازع مانعا من إقبال قريش على متابعة النبي. كان أمية بن أبي الصلت ممن حدثوا عن نبي يقوم في العرب قبل ظهور محمد، حتى طمع هو في النبوة؛ وأكلت قلبه الغيرة حين لم ينزل الوحي عليه، فلم يرض أن يتابع من ظنه منافسه مع غلبة الحكمة على شعره، حتى قال عليه السلام يوما وهذا الشعر يروى أمامه: «أمية آمن شعره وكفر قلبه.» وكان الوليد بن المغيرة يقول: «أينزل على محمد وأترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين؟!» وإلى هذا يشير قوله تعالى:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا .
5
ولما استمع أبو سفيان وأبو جهل والأخنس إلى القرآن ثلاث ليال متتابعة في القصة التي رويناها، ذهب الأخنس إلى أبي جهل في بيته فسأله: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعنا من محمد؟ فكان جواب أبي جهل: «ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.» وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره. ويكفي أن نذكر ما لهذه الشهوات على النفوس جميعا من سلطان، لنقدر أن التخلص من أثرها يجب أن يسبقه تهذيب طويل يصقل الفؤاد ويرفع حكم العقل على نزعات الهوى، ويسمو بالعاطفة وبالروح إلى مرقى يجعلك ترى الحقيقة على لسان خصمك بل عدوك هي الحقيقة على لسان حميمك ووليك، وتؤمن بأنك أكثر غنى بملك الحقيقة منك بمال قارون وجاه الإسكندر وملك قيصر. هذه مكانة قل من يصل إليها إلا من هدى الله قلبه للحق. أما سائر الناس فتعميهم العاجلة من مال ونشب، ويعميهم الاستمتاع باللحظة التي يعيشون فيها، عن الارتفاع إلى هذه المعاني. وهم في سبيل هذه العاجلة واقتناص تلك اللحظة يحاربون ويقاتلون، لا يحول شيء دون أن ينشب أحدهم أظفاره وأنيابه في عنق الحق والخير والفضيلة، وأن يدوس تحت أقدام دنسه أطهر معاني الكمال. ما بالك بهؤلاء العرب من قريش وهم يرون محمدا يزداد أنصاره كل يوم عددا، ويخشون يوما ما يكون فيه للحق الذي يعلنه السلطان عليهم وعلى من يدين لهم بالطاعة، ويمتد من وراء ذلك إلى العرب في مختلف أنحاء الجزيرة! دون هذا قط الرقاب إذا استطاعوا قطها. ودون هذه الدعاية والمقاطعة والحصار والتعذيب والتنكيل يصبونه على هام خصومهم صبا.
وسبب ثالث منع قريشا من متابعة محمد. ذلك فزعهم من البعث ومن عذاب جهنم يوم الحساب؛ فقد رأيتهم قوما مكبين على اللهو مسرفين فيه، ويتخذون من التجارة ومن الربا إليه الوسيلة. ولا يرى الغني منهم في شيء من الأشياء رذيلة يتجافى عنها؛ ثم كان لهم من التقرب إلى أصنامهم ما يزعمون أنه يكفر عن سيئاتهم وذنوبهم. بحسب الرجل أن يضرب القداح عند هبل قبل أن يقدم على أمر ليكون ما تشير به عليه القداح أمر هبل. وبحسبه أن ينحر للأصنام لتمحو الأصنام سيئاته وذنوبه! هو في حل من أن يقتل وينهب ويرتكب الفحشاء ولا يعف عن الخنا ما دام قديرا على رشوة هذه الآلهة بالقرابين والنحور!
وهذا هو محمد يعلن إليهم في آيات مرهبة تنخلع من هولها القلوب وتضطرب الأفئدة أن ربهم لهم بالمرصاد، وأنهم مبعوثون في اليوم الآخر خلقا جديدا، وأن أعمالهم هي وحدها الشفيع لهم.
فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة .
Unknown page