187

فصل في الكلام في ما فطر الله عليه العبد

اعلم أن الله (قد) فطر الحيوان (كله) على استجلاب المنافع العاجلة، والنفار عن المضار العاجلة، وفطر بعض الحيوان على الحاجة إلى الأكل والشرب والنوم والجماع. وجعل للحيوان آلة يبلغ بها الأشياء رحمة منه ونعمة؛ وجعل ذلك سببا لحياته -وهي أفعال الحيوان- وليس لله فيها فعل غير الإلهام، والاستطاعة التي أعطاه على فعل هذه الأشياء، والحاجة الداعية إلى فعل الأشياء إلا النوم فإن الحيوان مضطر إليه، وليس له فيه إلا التعرض له، وهو عرض ضروري يغشيه الله الحيوان. ومما يبين لك أنه ضروري أن الإنسان قد يريد أن ينام ويتعرض لذلك في بعض الأوقات فلا يحصل له النوم، وقد [أيضا] يغشيه الله النوم ويريد أن لا ينام فلا يتم له ذلك في بعض الأوقات ويغلبه النوم، فصح أنه ضروري، قال الله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }[الأنفال:11]، وقال تعالى: {ومن آياته منامكم بالليل والنهار }[الروم:23]، فلو كان اختيارا للعبد لم يكن آية من آيات الله.

واعلم أن فيه منافع للعبد، ونعما من الله سبحانه وتعالى.

منها: الاستراحة والسلو.

ومنها: السكون لهضم الطعام.

ومنها: أنه يشغل كثير من الناس عن المآثم والفساد.

Page 255