وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في وارثي العرب مقدار الانحطاط الذي أسفر عن إبادة العرب، وإذا كنت قد أشرت إلى هذا هنا فلأن شأن العرب المدني لم يبد في قطر ملكوه كما بدا في إسپانية التي لم تكن ذات حضارة تذكر قبل الفتح العربي؛ فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب، ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب، وهذا مثال بارز على ما يمكن أن يتفق لعرق من التأثير. (3) حضارة العرب في إسپانية
كانت إسپانية النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملوك القوط، ولم يكد العرب يتمون فتح إسپانية حتى بدأوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين، ويعمروا خرب المدن، ويقيموا فخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين، وينشؤون الجامعات التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمنا طويلا.
شكل 6-8: داخل ردهة في القصر بإشبيلية (من صورة فوتوغرافية).
وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن إلى العرش على الخصوص، أي منذ انفصال إسپانية عن المشرق بإعلان خلافة قرطبة في سنة 756م، فغدت قرطبة، بالحقيقة، أرقى مدن العالم القديم مدة ثلاثة قرون.
ولم يكد عبد الرحمن يقبض على زمام الحكم في إسپانية حتى أخذ يسعى في حمل العرب على عد إسپانية وطنا حقيقيا لهم، فأنشأ جامع قرطبة الشهير الذي هو من عجائب الدنيا؛ لتحويل أنظار العرب عن مكة، وصار ينفق دخل بيت المال في إصلاح البلاد وعمرانها بدلا من إنفاقه في الغزوات البعيدة، ثم سار خلفاؤه على سنته في ذلك.
وامتازت حضارة العرب في إسپانية في ذلك الدور بميل العرب الشديد إلى الفنون والآداب والعلوم على الخصوص، وأنشأ العرب في كل ناحية مدارس ومكتبات ومختبرات، وترجموا كتب اليونان، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيماوية والطبية بنجاح، وسنرى في فصول أخرى أهمية اكتشافاتهم في هذه العلوم المختلفة.
ولم يكن نشاطهم في الصناعة والتجارة أقل من ذلك، فكانوا يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة ومصانع النسائج والجلود والسكر إلى إفريقية والشرق بواسطة تجار من اليهود والبربر.
وبرع العرب في الزراعة براعتهم في العلوم والصناعات، ولا يوجد في إسپانية الحاضرة من أعمال الري خلا ما أتمه العرب، وأدخل العرب إلى حقول الأندلس الخصبة زراعة قصب السكر والتوت والأرز والقطن والموز ... إلخ، وأصبحت إسپانية، التي هي صحراء حقيقية في الوقت الحاضر، عدا بعض أقسام في جنوبها، جنة واسعة بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية.
ووجه العرب نشاطهم إلى كل فرع من فروع العلوم والصناعة والفنون، ولم تقل أشغالهم العامة عن أشغال الرومان أهمية، فأكثروا من إنشاء الطرق والجسور والفنادق والمشافي والمساجد في كل مكان.
وظن رئيس الأساقفة الإسپاني أكزيمينيس أنه، بإحراقه مؤخرا ما قدر على جمعه من مخطوطات أعداء دينه العرب (أي ثمانين ألف كتاب)، محا ذكرهم من صفحات التاريخ إلى الأبد، وما درى أن ما تركه العرب من الآثار التي تملأ بلاد إسپانية، خلا مؤلفاتهم، يكفي لتخليد اسمهم إلى الأبد.
Unknown page