تسل علينا بالأهلة خنجرا
فجمد الدم في عروق المكتوبجي وحذف «خنجرا» واستبدلها بخط يده بكلمة «مكدرا»، وقصد من الكلمة ألا يرد ذكر القتل والخناجر في وصف موت الرجل أو قتله. (25) متى غضبت
عادت إلي المسودة ذات يوم وقد منع منها المكتوبجي حسن فائز 12 عمودا؛ أي نصف الجريدة، فهرولت مسرعا إلى سراي الحكومة ودخلت عليه، فقلت: لماذا منع مولاي كل المقالات وليس فيها ما يخشى منه؟ قال: إنني لا أمنع نشر جميع ما منعته، ولكن أردت أن تحضر إلي بنفسك. قلت: لماذا لم تأمر الغلام باستدعائي؟ قال: متى غضبت منك أمنع نصف الجريدة حتى تأتي إلي، وهي أحسن رسالة وأعجل رسول، قلت: وهل أنت غاضب علي الآن؟ قال: نعم، قلت: لماذا؟ قال: لأنك خائن للسلطان والدولة والأمة، فاقشعر جسدي وخفت أن يأمر بزجي في السجن بعد تلك التهمة الفظيعة. (26) نفر
قلت له: ما الذي ظهر لك من جنايتي؟ قال: إنه بالأمس لما رجع المطران إلياس الحويك الماروني من رومية، ملأت نحو 3 أعمدة من الجريدة في وصف الاحتفال بقدومه والخطب التي ألقيت أمامه، واليوم لما سافر عثمان نوري باشا المشير المعظم، اكتفيت بنشر التفاصيل وقلت إنه ذهب لوداعه «نفر» من الجند. ألا يعد ذلك خيانة؟! قلت: وأين الخيانة؟ قال: أنك قلت إنه لم يذهب معه إلا نفر، والصحيح أنه ذهب لوداعه عدد غفير من العساكر، قلت: يا مولاي خفض عليك، فالنفر في اللغة العربية لا تفيد الرجل الفرد فقط بل الجماعة، قال: أنا لا أحمل القاموس في جيبي، فإذا كتبت فاكتب ما أفهمه. (27) عواطف المكتوبجي الرقيقة
توفي في كفر شيما أحد أفراد عائلة كرم، وكان محبوبا، فرغب إلي مدير الجريدة أن أؤبنه على صفحات اللسان تأبينا حسنا ، وأن أذكر في مقام التأبين حالة أرملته وأولاده وأن أكتب عنهم بعض عبارات مؤثرة؛ لعل ذلك يحرك عواطف الشفقة في صدور الجمعية الخيرية لمساعدتهم، ففعلت وأخذت المسودة إلى المكتوبجي بنفسي، فلما قرأ التأبين المذكور حذف العبارات المحزنة المؤثرة، ولما سألته عن السبب أجاب: إن كلامك هذا يؤثر كثيرا على القارئ وأنت ليس من واجباتك أن تبكي قراء جريدتك، وأصر فلم أر بدا من الخضوع لأمره. (28) قصيدة الفرصاد
اتصلت بي قصيدة فرنساوية ذات معان جميلة، فاقترحت على جناب الفاضل اللغوي والشاعر الشهير عبد الله أفندي البستاني أستاذ البيان في مدرسة الحكمة أن يعربها شعرا فأجاب، ولما تم نظمها نشرتها في «لسان الحال»، إلا أن المكتوبجي - لعنه الله - منع نشرها، ولا أدري لأي سبب، ومن الغرائب أنني بعدما هجرت بيروت وأقمت في لندن مدة إذا ب «لسان الحال» قد ورد إلي ذات يوم وفيه القصيدة وقد سمح المكتوبجي بنشرها. ومن هنا تعلم أيها القارئ أن الرجل يريد قتل العقول فقط والتضييق على الكتاب إلى أن يضجروا، وإلا فكيف منع نشرها ثم سمح بذلك بعد سنتين. ولكي يدرك القارئ درجة إدراك الرجل أنشر الأبيات المشار إليها؛ ليشترك معي القارئ في الدهشة والاستغراب.
الفرصاد أو التوت الشامي
صورة قصيدة فرنسية تتضمن سرد حادثة، خلاصتها أن شابا اسمه بيرام أحب ابنة اسمها تسبة، وكانا متجاورين لكن بين عائلتيهما نفار يمنع اجتماعهما، حتى إذا عيل صبرهما اختطفها الشاب من ثغرة دار أبيها ولجأ بها إلى مغارة أمامها شجرة توت ثمرها ناصع البياض، وانصرف بيرام إلى المدينة يأتي بحاجاتهما، فخرجت تسبة إلى ظل التوتة ترتاح وقد ألقت رداءها على أصل الشجرة، وإذا بها تسمع زئير أسد فهربت إلى المغارة، وجاء الأسد فمزق الثوب وضرجه بدم باق في فمه وعلى مخالبه وانصرف، فجاء بيرام ورأى الثوب فحسب أن الحبيبة كانت فريسة الليث فانتحر.
ولما هدأ روع تسبة خرجت فرأت حبيبها على تلك الحال فندبته وانتحرت بجانبه، وفي القصيدة الفرنسية أن دم العاشقين سرى إلى أصول الشجرة فاسود لون الثمر حدادا عليهما.
مترجمة عن الإفرنسية بقلم جناب اللغوي المدقق والشاعر المجيد عبد الله أفندي البستاني أستاذ البيان في مدرسة الحكمة المارونية، إجابة لاقتراح محرر المشير، إذ كان في تحرير «لسان الحال» في بيروت:
Unknown page