Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
وهو أن ينوي الحج وليس معه هدي فيحول النية إلى العمرة فيعتمر ويحل ثم ينشىء الحج فمن قائل بجوازه ومن قائل بوجوبه ومن قائل بأن ذلك لا يجوز وبالوجوب أقول العمرة حج أصغر فجاز تحويل النية إليها وكيف لا وقد تضمن فعلها الحج الأكبر فقام طواف الحج الأكبر وسعيه للقارن مقام ما للعمرة من الطواف والسعي وهما ركنان فاندرجت العمرة التي هي الحج الأصغر في الحج الأكبر وصارا عينا واحدة فجاز الفسخ لعدم الهدي فإن الهدية من القادم للذي قدم عليه معتادة فإذا لم يجيء بها كلف أن لا يدخل على من قصده بالنية الأولى حتى يتمتع ويهدي ولا بد ولكن لا يقدم هديه حتى ينشىء نية أخرى بالقصد على حسب ما نواه فإذا أحرم بالحج أي نوى قصد الكبير سبحانه لا المتكبر الذي هو بمنزلة العمرة التي هي حج أصغر قدم الهدي الذي أوجبه التمتع إما نسيكة على ما تيسر وإما صوما لمن قصده بتلك الزيارة فهي الهدية له فإن الصوم له وهو الذي نزل عليه الحاج فلذلك كان الصوم هدية لأنه يستحقها بل هي أليق به من الهدي فإنه لا يناله من الهدي إلا التقوى خاصة من المهدي والصوم كله هو له فهو أعظم في الهدية وإنما جعله الله لمن لم يجد هديا لأن الهدي ينال الحق منه التقوى وينال العبد منه ما يكون له به التغذي وقوام نشأته فراعى سبحانه منفعة العبد مع ما للحق فيه من نصيب التقوى مع الوجود فإذا لم يجد رفق به سبحانه فأوجب عليه الصوم إذ كان الصوم له ولم يوجب عليه غير ذلك لأنه ليس له من عمل العباد إلا الصوم فأقامه مقام الهدية بل هو أسنى وقع منه بثلاثة أيام في الحج رفقا به حتى يكون قد أتى إليه بشيء فيفرح القادم بتلك التقدمة التي قدمها لربه في هذا القدوم فهذا من وجه رفق الله بعبده وأخر السبعة إذا رجع إلى أهله فهناك يأخذها منه فإنه في رجوعه أيضا قادم عليه فإن الحق مع أهله إينما كانوا فإذا رجع إلى أهله وجد الحق معهم فصام هدية سبعة أيام فقبلها الحق منه في أهله أو حيثما ما كان فإن الله مع عباده أينما كانوا ومن رأي أن العين واحدة وإن اختلفت النسب لم ير أنه فسخ مع وجود الفسخ مثل قوله وما رميت إذ رميت فنفى وأثبت كذلك هذا وما فسخت إذ فسخت فمن كان شهوده في نفسه الحج خاصة لم يحل له الأصغر والأكبر فلم يفسخ وبقي على نيته الأولى لقوله تعالى ' وأتموا الحج فهو بحسب مشهده والأول أتم وهو القائل بالفسخ والتعدي عن الفسخ فهو فاسخ لا فاسخ .
تفريع في التمتع
اختلف علماء الإسلام فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك فمن قائل عمرته في الشهر الذي حل فيه فهذا متمتع عنده بلا شك فإن حل في غير أشهر الحج عنده فليس بمتمتع واشترط بعضهم أن يكون طوافه كله في أشهر الحج وقال بعضهم إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة في شوال كان متمتعا وقال بعضهم من أهل بعمرة في غير أشهر الحج فسواء طاف في أشهر الحج أو لم يطف لا شيء عليه فإنه ليس بمتمتع اعلم أنه لما كانت أسماء الحق منها ما يعطي الاشتراك ومنها ما لا يعطي الاشتراك والذي لا يعطي الاشتراك كالمعز والمذل والذي يعطي الاشتراك كالعليم والخبير فإذا كان العبد تحت حكم اسم ما من الأسماء الإلهية التي تعطي الاشتراك فهو بمنزلة من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وعملها في أشهر الحج فهل للاسم الأول فيه حكم إذا انتقل إلى الاسم الآخر فانظر إن كان أحدهما يتضمن الآخر في أمر ما كالخبير والعالم كان في عمله تحت حكم الآخر لأنه صاحب الوقت وأنت أخيذه بأكثر مما أخذ منك الوقت الأول وإن كان مشهدك أول الإنشاء وأنه المؤثر ولولاه لم يصح حكم هذا الآخر كالنية في الصلاة ثم لا يحضر في أثناء الصلاة فصحت الصلاة لحكم الأول وقوته فمن كان مشهده هذا نفى أن يكون هذا متمتعا فإنه بحكم الإنشاء لا بحكم الانتهاء فاعلم ذلك وأما أكثر شروط التمتع الذي يكون به المتمتع متمتعا فهي عند بعضهم خمسة منها أن يجمع بين العمرة والحج في سفر واحد الثاني أن يكون ذلك في عام واحد الثالث أن يفعل شيأ من العمرة في أشهر الحج الرابع أن ينشىء الحج بعد الفراغ من العمرة وإحلاله منها الخامس أن يكون وطنه غير مكة أما الجمع في سفر واحد وذلك أن يدعوه اسمان فما زاد أو اسم يتضمن اسمين فما زاد كما قدمنا فيجيب في ذلك السفر الواحد إليهما بحسب ما دعوا إليه كالمغني إذا دعاه إليه فإنه يتضمن في المدعو حكم الاسم المعز فإنه إذا استغنى اعتز والعزة لا تكون إلا من الاسم المعز وما اعتز هنا إلا بالاسم المغني لأنه أغناه فأورثته صفة الغنى العزة فلولا أن المغني يتضمن الاسم المعز ما ظهرت العزة في هذا الغنى بما استغنى به وأما العام الواحد فإنه كمال الزمان إذ العام فيه كمال الزمان لحصره الفصول فكمال الزمان هو بظهور الأبد الذي به كمل الدهر فإن الأزل نفى الأولية والأبد نفى الآخرية فما بقي طرفان فليس إلا دهر واحد إذ كان نسبة الأزل للحق نسبة الزمان للخلق في العامة بنسبة الزمان الماضي فينا فلهذا لا يعبر عن الفعل فيه إلا بالماضي فيقولون كان ذلك في الأزل وفعل ذلك في الأزل وقد بينا حقيقة مدلول هذه اللفظة في كتابنا هذا وفي جزء لنا سميناه الأزل وأما كونه أن يكون شيء من العمرة في أشهر الحج فهو أن يكون قصد الإنسان إلى ربه من حيث ما يقضتضيه حق الله عليه فيه ووفاء بحق العبودية فللعمل وجه في هذا ووجه في هذا وإما أن ينشىء الحج بعد الفراغ من العمرة والإحلال منها فهو بمنزلة الإخلاص في العبادة والخروج من حكم اسم إلهي مقابل لاسم إلهي لا يجتمعان كالضار والنافع والمعطي والمانع وأما الوطن أن يكون غير مكة فذلك بين فإن العبد موطنه العبودية ولا يستطيع الخروج من موطنه إلا إذا دعاه الحق إليه فلو ضمه معه موطن لما دعاه إليه .
وصل في فصل في القران
Page 825