514

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

فيه خرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه إعلم أن المعتكف وهو المقيم مع الله على جهة القربة دائما لايصح له ذلك إلا بوجه خاص وهو أن يشهده في كل شيء هذا هو الإعتكاف العام المطلق وثم آخر مقيد يعتكف فيه العبد مع إسم ما الهي يتجاى له ذلك الإسم بسلطانه فيدعوه إلى الإقامة معه وإعتبار مكان االإعتكاف في المعاني هو المكانة وما ثم اسم الهي إلا وهوبين إسمين إلهيين فإن الأمر الإلهي دوري ولهذا لا ينتهي أمر الله في الأشياء فإن الدائرة لا أول لها ولا آخر إلا بحكم الفرض ولهذا خرج العالم مستديرا على صورة الأمر الذي هو عليه في نفسه حتى في الأشكال فأول شكل قبل الجسم الكل الشكل المستدير وهو الفلك ولما كانت الأشياء الكائنة من الله عند حركات هذه الأفلاك بما قدره العزيز العليم أعطت الحكمة أن تكون على صورته في الشكل أو ما يقاربها فما من حيوان ولا شجرة ولا ورقة ولا حجر ولا جسم إلا فيه ميل إلى الإستدارة ولا بد منها لكنها تدق في أشياء وتظهر بينة في أشياء واجعل بالك في كل ما خلق الله تعالى من جبل وشجر وجسم تر فيه إنعطافا إلى الإستدارة كان الشكل الكروي أفضل الأشكال ولما كان التجلي الأعظم العام يشبه طلوع الشمس ومع التجلي الشمسي يكون الإعتكاف العام قيل للمعتكف بترجمان إسم ما إلهي ادخل في إعتكافك في وقت ضهور علامة التجلي الأعظم وهو طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح ليقرب عليك الفتح ولا يقيدك هذا الإسم الإهي الذي أقمت معه أو تريد الإقامة معه عن التجلي الأعظم الذي هو بمنزلة طلوع الشمس فتجمع في اعتكافك بين التقيد والإطلق فإنه لو دخل المعتكف أول الليل بعدت عليه المسافة الزمانية وظال المدى فربما نسي ما هو الأمر عليه فإن الإنسان مجبول على النسيان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسى آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريتهوهذا الحديث بشرى من النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة فلإن آدم رحمه الله فرحمت ذريته كانوا حيثما كانوا جعل لهم رحمة تخصهم بأي دار أنزلهم الله تعالى فإن الأمر إضافي وإن الأصول تحكم على الفروع وهذا يدلك على أن هذه النفوس الإنسانية نتيجة عن هذه الأجسام العنصرية والمتولدةعنها فإنها ما ظهرت إلا بعد تسوية هذة الأجسام وإعتدال إختلاطها فهي للنفوس المنفوخة فيها من الروح المضاف اليه تعالى كالأماكن التي تطرح الشمس شعاعاتها عليها فتختلف آثارها بإختلاف القوابل أين ضوء نور الشمس في الأجسام الكثيفة منه في الأجسام الصقيلة فلهذا تفاضلت النفوس لتفاضل الأمزجة نفسا سريعة القبول للفضائل والعلوم ونفسا أخرى في الضد منها وبينهما متوسطات فهكذا هوو الأمر إن فهمت قال تعالى فإذا سويته يعني جسم الإنسان ونفخت فيه من روحي ولهذا قلنا إن النسيان في الأنسان أمر طبيعي يقتضيه المزاج كما أن التذكر أمر طبيعي أيضا في هذا المزاج الخاص وكذلك جميع القوى التي تنسب الإنسان الأ تراه يقل فعل هذه القوى في أشخاص ويكثر في أشخاص فنبه الشارع بدخول المعتكف مكان إعتكافه بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس .

وصل في فصل اقامة المعتكف مع الله ما هي

اعلم أن الإقامة مع الله إنما هو أمر معنوي لا أمر حسي فلا يقام مع الله إلا بالقلب كما لا يتوجه في الصلاة إلى الله إلا بالقلب وكما تتوجه بوجهك إلى المسماة قبلة وهي الكعبة كذلك يقام بالحس مع أفعال البر وقد يكون من أفعال البر ملاحظة النفس ليؤدي اليها حقها المشروع لها فإن لنفسك عليك حقا وقد يؤثر نفسه على غيرها بإيصال الخير إليها وهو الذي شرعه الله لنا وما لنا طريق إلى الله إلا ما شرعه ولهذا يكلف الإنسان نفسه بعض مصالحها ليعود خير ذلك إليها كحروج المعتكف إلى حاجة الإنسان وإقباله على ما كان من نسائه وأهله ليصلح بعض شأنه في حال إقانتهوإعتكافه ذكر مسلم عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكيءعلى باب حجرتي فأغسل رأسه وأنا في حجرتي وسائره في المسجد وفي هذا دليل لمن يقول بالحكم الاغلب فإنه ما أخرجه كون رأسه في غير المسجد عن الإعتكاف لأن إلا ما كثر منه في المسجد فراعى حكم إلا كثر في الجرمية .

وصل في فصل ما يكون عليه المعتكف في نهاره

Page 793