484

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

خرج مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان فلما غابت الشمس قال يا فلان انزل فاجدح لنا قال يا رسول الله إن عليك نهارا قال انزل فاجدح لنا قال فنزل فجدح فآتاه به فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال إذا غابت الشمس من ههنا وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم فسواء أكل أو لم يأكل فإن الشرع أخبر أنه قد أفطر أي إن ذلك ليس بوقت للصوم وإنه بالغروب تولاه الاسم الفاطر وإتيان الليل ظهور سلطان الغيب لا ظهور ما في الغيب فجاء ليستر ما كانت شمس الحقيقة كشفته غيرة لعدم احترام المكاشفين لما عاينوه من شعائر الله وحرماته فإن البصر قد أدرك ما لو اعتبر في شيء منه ما وفي بما يجب عليه من التعظيم الإلهي له فلما قلت الحرمة منهم ستره الليل غيرة فدخل في غيب الليل غير أن الإنسان إذا دخل في الغيب واتصف به أدرك ما فيه من علوم الأنوار لا من علوم الأسرار وعلوم الأنوار هو كل علم يتعلق به منافع الأكوان كلها كما أن الليل إذا جاء ظهرت بمجيئه أنوار الكواكب والله جعلها لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر وهما علم الإحسان وعلم الحياة وعلوم الأسرار خفيت عن أبصار الناظرين وهي غيب الغيب فصار الغيب على هذا فيه ما يدرك به وفيه ما لا يدرك ولما قال صلى الله عليه وسلم ' فقد أفطر الصائم ' فالأولى بالصائم أن يعجل الفطر عند الغروب بعد صلاة المغرب فإنه أولى لأن الله جعل المغرب وتر صلاة النهار فينبغي أن يوديها بالصفة التي كان عليها بالنهار وهو الإمساك عن الطعام والشراب واستحب له إذا فرغ من الفريضة أن يشرع في الإفطار ولو على شربة ماء أو تمر قبل النافلة فإن فاعل ذلك لا يزال بخير خرج مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر فسمى الأكل أو الشرب فطرا مع أنه قال عنه أنه أفطر بمجيء الليل وغروب الشمس فجمع بالأكل بين فطرين فطر بالفعل وفطر بالحكم فمن قال بالمفهوم يرى أنه إذا لم يفطر بالأكل زال عنه الخير الذي كان يأتيه بالأكل لو أكل معجلا فإنه إذا أخر لم يحصل على ذلك الخير الذي أعطاه التعجيل وكان محروما خاسرا في صفقته ثم إنه تفوته الفرحة التي للصائم عند فطره أي يفوته ذوقها وحلاوتها وهي لذة الخروج من الجبر إلى الاختيار ومن الحجر إلى السراح ومن الضيق إلى السعة وهو المقام المحمدي والبقاء في الحجر مقام يوسفي جاء الرسول ليوسف من العزيز بالخروج من السجن فقال يوسف ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة فلم يخرج واختار الإقامة في السجن حتى يرجع إليه الرسول بالجواب وإن كان مطابقا لدخوله في السجن فإنه دخله عن محبة واستصحبته تلك الحالة وهو قوله رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه فكانت محبة إضافة لم تكن محبة حقيقة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أخي يوسف لو كنت أنا لأجبت الداعي يقول سارعت إلى الخروج من السجن لأن مقامه صلى الله عليه وسلم يعطي السعة فإنه أرسله الله رحمة ومن كان رحمة لا يحتمل الضيق فلهذا قلنا بلذة فرحة فطر الصائم أنه مقام محمدي لا يوسفي وإنما قلنا بتعجيل الصلاة فيفطر بعد المغرب وقيل التنفل فإنه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قدمناه على الفطر لأن الصلاة وإن كانت للعبد فإنها حق الله والفطر حق نفسك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للشخص الذي ماتت أمه وعليها صوم وأراد أن يقضيه عنها فقال له عليه السلام أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه قال نعم قال فحق الله أحق أن يقضى فقدم حق الله وجعله أحق بالقضاء من حق المخلوق وذكر مسلم عن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة قالت أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة قال قلنا عبد الله بن مسعود قالت كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان صلى الله عليه وسلم قد جعله الله أسوة يتأسى به فقال تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فكان يفطر بأن يشق أمعاءه بشيء من رطب أو تمر أو حسوات من ماء قبل أن يصلي المغرب وبعد الصلاة كان يأكل ما قدر له تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء فقدم الرطب لأنه أحدث عهد بربه من التمر كما فعل صلى الله عليه وسلم في المطر حين نزل برز بنفسه صلى الله عليه وسلم إليه وحسر الثوب عنه حتى أصابه المطر فسئل عن فعله ذلك فقال صلى الله عليه وسلم إنه حديث عهد بربه . لأنه أحدث عهد بربه من التمر كما فعل صلى الله عليه وسلم في المطر حين نزل برز بنفسه صلى الله عليه وسلم إليه وحسر الثوب عنه حتى أصابه المطر فسئل عن فعله ذلك فقال صلى الله عليه وسلم إنه حديث عهد بربه .

وصل في فصل صيام سر الشهر

Page 752