Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
اختلفوا فيما يدخل الجوف مما ليس بغذاء كالحصى وغيره وفيما يدخل الجوف من غير منفذ الطعام والشراب كالحقنة وفيما يرد باطن الأعضاء ولا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ ولا يرد المعدة فمن قائل إن ذلك يفطر ومن قائل لا يفطر وصل في فصل الاعتبار مشاركة الحكماء أصحاب الأفكار أهل الله فيما يفتح لهم من علم الكشف بالخلوة والرياضة من طريق النظر وأهل الله تعالى بهما من طريق الإيمان واجتمعا في النتيجة فمن فرق من أصحابنا بينهما بالذوق وإن مدرك هذا غير مدرك هذا وإن اشتركا في الصورة قال لا يفطر ومن قال المدرك واحد والطريق مختلف فذلك اعتبار من قال يفطر وأما اعتبار باطن الأعضاء ما عدا الجوف فهو أن يكون الصائم في حضرة إلهية فأقيم في حضرة مثالية مثل قوله أعبد الله كأنك تراه فهل لمن خرج من عباد الله في ذوقه عن حكم التشبيه والتمثيل أن يؤثر فيه قول الشارع أعبد الله كأنك تراه فيترك علمه وذوقه وينزل إلى هذه المنزلة أدبا مع الشرع وحقيقة من الكشف فيكون قد أفطر أو لا ينزل ويقول أنا مجموع من حقائق مختلفة وفي ما يبقيني على ما أنا عليه وفي ما تطلبه مشاهدة هذا التنزل وهو كوني متخيلا أو ذا خيال فيعلم أن الحق قد طلب مني أن نشهده في هذه الحضرة من هذه الحقيقة ومن كل حقيقة في فيتعين لهذا التجلي المثالي مني هذه الحقيقة التي تطلبه وتبقى على ما أنا عليه من حقيقة أن لا خيال ولا تخيل فهذا اعتبار من يرى أنه لا يفطر ما يرد باطن الأعضاء الخارجة عن المعدة .
وصل في فصل القبلة للصائم
فمن علماء الشريعة من أجازها ومنهم من كرهها على الإطلاق ومنهم من كرهها للشاب وأجازها للشيخ اعتبار هذا الفصل هذه المسئلة نقيض مسئلة موسى عليه السلام فإنه طلب الرؤية بعدما حصل له الكلام فالمشاهدة والكلام لا يجتمعان في غير التجلي البرزخي وهو كان مقام شهاب الدين عمر السهروردي الذي مات ببغداد رحمه الله فإنه روى لي عنه من أثق بنقله من أصحابه أنه قال باجتماع الرؤية والكلام فمن هنا علمت إن مشهده برزخي لابد من ذلك غير ذلك لا يكون والقبلة من الإقبال والقبول على الفهوانية من حضرة اللسن فإنه محل الكلام وكان الإقبال عليه أيضا بالكلام المسموع إذ كان في المشاهدة المثالية ومن كان فيها يتصور منه طلب الإقبال على الفهوانية فإذا كلمه لم يشهده وهذا المقام الموسوي ذقته في الموضع الذي ذاقه موسى عليه السلام غير أني ذقته في بلة في الرمل على قدر الكف وذاقه موسى عليه السلام في حاجته وهي طلبه النار لأهله ففرحت حيث كان ماء وإنما قلنا إذا كلمه لم يشهده لأن النفس الطالبة تستفرغ لفهم الخطاب فتغيب عن المشاهدة فهو بمنزلة من يكره القبلة إذ الصائم صاحب المشاهدة لأن الصوم لا مثل له والمشاهدة لا مثل لها وأما من أجازها فقال التجلي مثالي فلا أبالي فإن الذات من وراء ذلك التجلي والتجلي لا يصح إلا من مقام التجلي له وأما لو كان التجلي في غير مقام المتجلي له لم يصح طلب غير ما هو فيه لأن مشاهدة الحق فناء ومع الفناء لا يتصور طلب فإن اللذة أقرب من طلب الكلام لنفس المشاهد ومع هذا فلا يلتذ المشاهد في حال المشاهدة قال أبو العباس السياري رحمه الله ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة وأما من كرهها للشاب فاعتباره المبتدي في الطريق أجازها للشيخ واعتباره المنتهي فإن المنتهي لا يطلب الرجوع من المشاهدة إلى الكلام فيترك المشاهدة ويقبل على الفهوانية إذ لا تصح الفهوانية إلا مع الحجاب كما قال ' وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب والمنتهي يعرف ذلك فلا يفعله وأما المبتدي وهو الشاب فما عنده خبرة بالمقامات فإنه في مقام السلوك فلا يعرف منها إلا ما ذاقه والنهاية إنما تكون في المشاهدة وهو يسمع بها من الأكابر فيتخيل أنه لا يفقد المشاهدة مع الكلام والمبتدي في مشاهدة مثالية فيقال له ليس الأمر كما تزعم أن كلمك لم يشهدك وإن أشهدك لم يكلمك ولهذا لم يجوزها للشاب وأجازها للشيخ لأن الشيخ لا يطلب الفهوانية إلا إذا كان وارثا للرسول في التبليغ عن الله فيجوز له الإقبال على الفهوانية لفهم الخطاب .
وصل في فصل الحجامة للصائم
Page 734