404

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

من قتل نفسه هل يصلي عليه أم لا يصلي عليه $ فقيل صلى عليه ومن قائل لا يصلى عليه بوالأول أقول وصل اعتبار هذا الفصل لما أذن الله عز وجل في الشفاعة بالصلاة على الميت علمنا أنه عز وجل قد ارتضى ذلك وأن السؤال فيه مقبول وأخبر أن الذي يقتل نفسه في النار خالدا مخلدا فيها أبدا وأن الجنة عليه حرام وما ورد نهي عن الصلاة على من قتل نفسه فيحمل ذلك على من قتل نفسه ولم يصل عليه فيجب على المؤمنين الصلاة على من قتل نفسه لهذا الاحتمال فيقبل الله شفاعة المصلي عليه فيه ولاسيما والأخبار الصحاح والأصول تقضي بخروجه من النار ويخرج الخبر الوارد بتأييد الخلود مخرج الزجر والحكمة المشار إليها في هذه المسئلة في قول الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ففيه إشارة حقيقة فالإشارة يسارعون وسابقوا ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا والموت سبب لقاء الله فكان الإنسان في حياته يسافر ويقطع المنازل بأنفاسه إلى لقاء ربه وقد جعل له حدا مخصوصا فاستعجل اللقاء فبادر إليه قبل وصوله إلى ذلك الحد وهو السبب الذي لا تعمل له في لقائه فإن كان عن شوق للقاء الحق فإنه يلقاه برفع الحجب ابتداء فإنه قال حرمت عليه الجنة والجنة الستر أي منعت عنه أن يستر عني فإنه بادرني بنفسه ولم يقل ذلك على التفصيل فحمله على وجه الخبر للمؤمن لما يعضده من الأصول أولى وأما قوله عليه السلام فيمن قتل نفسه بحديدة وبسم بالتردي من الجبل فلم يقل في الحديث من المؤمنين ولا من غيرهم فتطرق الاحتمال وإذا دخل الاحتمال رجعنا إلى الأصول فرأينا أن الإيمان قوي السلطان لا يتمكن معه الخلود على التأبيد إلى غير نهاية في النار فنعلم قطعا أن الشارع أخبر بذلك عن المشركين في تعيين ما يعذبون به أبدا فقال من قتل نفسه بحديدة منهم فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي هذذا الصنف من العذاب هو حكمه في النار وكذلك من شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي هذا النوع من العذاب يعذب به هذا الكافر وقد ورد من قتل نفسه بشيء عذب به وأما المؤمن فحاشى الإيمان بتوحيد الله أن يقاومه شيء فتعين أن ذلك النص في المشرك وإن لم يخص الشارع في هذا الخبر صنفا بعينه فإن الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة ويضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا كذلك الإيمان بكذا يشد للإيمان بكذا فيقوي بعضه بعضا فإن أهل الجنة إنما يرون ربهم رؤية نعيم بعد دخولهم الجنة كما ورد في الخبر في الزيارة إذا أخذ الناس أماكنهم في الجنة فيدعون إلى الرؤية فيمكن أن الله قد خص هذا الذي بادره بنفسه فقتل نفسه أن يكون قوله حرمت عليه الجنة قبل لقائي فيتقدم للقاتل نفسه لقاء الله رؤية نعيم وحينئذ يدخل الجنة فإن القاتل نفسه يرى أن الله أرحم به مما هو فيه من الحال الموجبة له إلى هذه المبادرة فلولا ما توهم الراحة عند الله من العذاب الذي هو فيه لما بادر إليه والله يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا والقاتل نفسه إذا كان مؤمنا فظنه بربه حسن فظنه بربه الحسن هو الذي جعله أن يقتل نفسه وهذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي إذ لا نص بالتصريح على خلاف هذا التأويل وإن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل بالشقاء المؤبد فإذا استحضرها ووزن عرف ما قلناه وفي الأخبار الصحاح أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فلم يبق إلا ما ذكرناه ولم يقل الله في هذا الخبر إلا أنه حرم عليه الجنة خاصة فإن قلنا ولابد بالعقوبة فتكون الجنة محرمة عليه أن يدخلها دون عقاب مثل أهل الكبائر فيكون نصا في القاتل نفسه وغيره من أهل الكبائر في حكم المشيئة فإن صاحب السجلات لا يدخل النار مع أنه من أهل الكبائر إذ ليس معه سوى قول لا إله إلا الله في طول إسلامه مدة حياته في الدنيا فغايته أن يتحقق إنفاذ الوعيد في القاتل نفسه قبل دخول الجنة وأنه لا يغفر له والله أكرم أن ينسب إليه نفاذ الوعيد بل ينسب غليه المشيئة وترجيح الكرم كما وصف بعض الأعراب مع كونه من أهل الأغراض نفسه .

وإني إذا أوعدته أو وعدته . . . لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ولذا ما ورد في الشرع نص في الايعاد وورد في الوعد ولا تحسبن الله مخلف وعده فالايعاد في الشر خاصة والوعد يكون في الخير والشر معا

Page 650