Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
قال تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي مفروضة في وقت معين سواء كان موسعا أو مضيقا فإنه معين ولابد بقوله موقوتا فمن أخرج صلاة مفروضة عن وقتها المعين له كان ما كان من ناس أو متذكر فإنه لا يقضيها أبدا ولا تبرأ ذمته فإننه ما صلى الصلاة المشروعة إذ كان الوقت من شورط صحة تلك الصلاة فليكثر النوافل بعد التوبة ولا قضاء عليه عندنا لخروج وقتها الذي هو شرط في صحتها ووقت الناسي والنائم وقت تذكره واستيقاظه من نومه وهو مؤد ولا بد لا يسمى قاضيا على الإعتبار الذي يراه الفقهاء لا على ما تعطيه اللغة فإن القاضي والمؤدي لا فرق بينهما في اللسان فكل مؤد للصلاة فقد قضى ما عليه فو قاض بأدائه ما تعين عليه أداؤه من الله فلنقل أما وقت صلاة الظهر فاتفق العلماء بالشريعة أن وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال واختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع وفي وقتها المرغب فيه فأما آخر وقتها الموسع فمن قائل هو أن يكون ظل كل شيء مثله ومن أصحاب هذا القول من يقول أن ذلك المثل الذي هو آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر ومن قائل منهم أنه آخر وقت الظهر خاصة فإن أول وقت العصر إنما هو المثلان وإن ما بين المثل والمثلين لا يصلح لصلاة الظهر وأما وقتها المرغب فيه فمن قائل أول الوقت للمنفرد أفضل ومن قائل أول الوقت أفضل للمنفرد والجماعات إلا في شدة الحر ومن قائل أول الوقت أفضل بإطلاق في انفراد وجماعة وحر وبرد ولكل قائل استدلال ليس هذا موضعه اعتباره الإستواء هو وقوف العبد المربوب في محل النظر من غير ترجيح فيما يعمل أي بأي نية يقصد العبادة هل يعتبر بذلك أداء ما يلزمه من حيق العبودية وكونه مربوبا أو يعتبر ما يلزمه بذلك من أداء حق سيده وربه فهوفي حال الإستواء من غير ترجيح فإذا زالت الشمس ترجح عند ذلك الزوال عنده أن يعبده لما تستحقه الربوبية على العبودية من الأنعام على هذا العبد من وقت الطلوع إلى وقت الإستواء فيعبده شكرا لهذه النعمة وإن نظر إلى زوالها بعين المفارقة لطلب الغروب عنه وإسدال الحجاب دونه عبده ذلة وفقرا وإنكسارا وطلبا للمشاهدة فلا يزال يرقبها إلى الغروب ومن الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب والتنفل بعدها إلى مغيب الشفق فيغيب أثرها فيبقى في ظلمة الليل سائلا باكيا متضرعا يراعي نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس ويسأ ل ويتضرع إلى طلوع الفجر فيرى آثار المجيء وقبول دعائه فيعبده شكرا على ذلك وهو يشاهد آثار القبول فيؤدي فرض الصبح ولا يزال مراقبا بالذكر إلى أن تنجلي طالعة فإذا ابيضت وزال عنها التغير الذي يحول بين البصر وبين بياضها من حجب أبخرة الأرض وهي الأنفاس الطبيعية قام إجلالا على قدم الشكر إلى حد الإستواء فلا يزال في عبادة الفرح والشكر إلى أن تزول فيرجع إلى عبادة الصبر والإفتقار وتوقع المفارقة ما دام حيا فهو بين عبادتين وذلك أنه لما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ترون ربكم كما ترون الشمس فاعتبر ذلك في عبادته في صلواته المفروضة والتطوع شكرا وفقرا بين نعمة وبلاء وشدة ورخاء فإن المؤمن من استوى خوفه ورجاؤه فهو يدعو ربه خوفا من حد الزوال إلى الغروب الشفقي وطمعا بقية ليلته إلى طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلى حد الإستواء طمعا أن لا يكون حجاب بعد ذلك هكذا هي عبادات العارفين فافهم فأما آخر الوقت الموسع فهو آخر أحكام الاسم الإلهي المخصوص بذلك الوقت وهو الاسم الظاهر كما أن أول الزوال حكم الاسم الإلهي الأول في الظهور الخاص بالعبادة المشروعة إلى أن يكون ظل كل شيء مثله وهو آخر الوقت كذلك حكم الاسم الإلهي إذا قام به هذا العبد في عبادته الخاصة به في هذا الوقت واستوفاه بحيث أن يكون إذا قابله به كان مثله أي لم يبق في الاسم الإلهي حكم يختص به بهذا الوقت إلا وأثره ظاهر في هذا العبد فقد انقضى حكم هذا الاسم الإلهي في هذا العبد فخرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو حكم اسم آخر بين الإسمين فرقان متوهم لا ينقسم معقول غير موجود وهو برزخ بينهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى يعني في الأربع الصلوات لدليل آخر فإنه إذا خرج وقت الصبح لم يدخل وقت الظهر حتى تزول الشمس بخلاف الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فاعلم ذلك فإن اليوم أربع وعشرون ساعة وهو أربعة أرباع كل ربع ست ساعات فمن طلوع الشمس إلى الظهر ربع اليوم ست ساعات وليس بمحل لصلاة مفروضة بحكم التعيين وإنما قلنا بحكم التعيين من أجل الناسي والنائم فإن الوقت نما عين إيقاع الصلاة في ذلك الوقت وإنما عينه للناسي تذكره وللنائم تيقظه شرعا فسواء كان في ذلك الوقت أو في غيره فلهذا حررنا القول في ذلك وقلنا بحكم التعيين فإن مذهبي في كل ما أورده أني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها مما يدل على معناها إلا لمعنى ولا أزيد حرفا إلا لمعنى فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو وإن تخيله الناظر فالغلط عنده في قصدي لا عندي وكان من زوال الشمس إلى طلوعها من اليوم الثاني وقتا مستصحبا لصلوات معينة مفروضة فيها متى وقعت وقعت في وقتها المعين لها كذلك الإنسان مقسم على أربعة أرباع الثلاثة لأرباع منه متعبدة لله بأعمال مخصوصة كالثلاثة الأرباع من اليوم فأرباع الإنسان ظاهره وباطنه الذي هو قلبه ولطيفته التي هي روحه المخاطب منه وطبيعته فظاهره وقلبه وروحه لا ينفك عن عبادة أصلا تتعلق به فأما أن يطيع وإما أن يعصي والربع الواحد طبيعته وهو مثل زمان طلوع الشمس إلى الزوال من اليوم فهو يتصرف بطبعه مباحا له ذلك لا حرج عليه إلا أن شاء أن يلحقها بسائر أرباعه في العبادات فيعمل المباح له عمله من كونه مباحا شرعا ويحضر مع الإيمان به كالمصلي من طلوع الشمس وإضاءتها إلى أول الزوال أعني الإستواء فلا يمنع من ذلك وهو ليس بوقت وجو لشيء من الصلوات الخمس معين فافهم وأما اعتبار الوقت المرغب فيه على ما ذكرناه من الإختلاف واتفق الكل على الأولية أو الأكثر واختلفوا في الأحوال فاعلم أن الأول أفضل الأشياء وأعلاها لأنه لا يكون عن شيء بل تتكون الأشياء عنه فلو كان عن شيء لم تصح له الأولية على الإطلاق فكذلك العبد يسعى في أن يعبد ربه من حيث أولية ربه لا من حيث أولية عينه فإن أولية عينه عن أوليات كثيرة قبله وأعني بذلك الأسباب فهو سبحانه السبب الأول الذي لا سبب لأوليته فإذا عبده العارف في تلك الأولية المنزهة عن أن يتقدمها أولية انسحبت عبادة هذا العارف من هناك على عبادة كل مخلوق خلقه الله من أول المخلوقات إلى حين وجوده وهي الأولية المؤثرة في إيجاد الكائنات فقد عبده في الوقت المرغب فيه سواءء عبده بصفة خاصة من أعضائه المكلفة كصلاة الفذ المنفرد أو عبده بجميع أعضائه كصلاة الجماعة أو في زمان الحر أي في شدة خوفه ومجاهدته وحرقة اشتياقه ووجده وولهه وكلفه أو في برد أي في حال علمه وثلج يقينه وبرده على أي حالة كان فالأولية أفضل له فإن الله يقول آمرا سارعوا وسابقوا وأثنى على من هذه حالته فقال أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون فالمبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الحوط والمطلوب من العباد في حال التكليف ولهذا الإحتراز والإحتياط يحمل الأمر الإلهي إذا ورد معرى عن قرائن الأحوال التي يفهم منها الندب أو الإباحة على الوجوب ويحمل النهي كذلك على الخطر إذا تعرى عن قرينة حال تعطيك الكراهة ولا تتوقف عن حمل الأمر والنهي على ما قلناه إلا بقرينة حال تخرجهما عن حكم الوجوب في الأمر وحكم الخطر في النهي فقد بان لك يا أخي اعتبار الأوقات مطلقا واعتبار الوقت المرغب فيه بعد أن عرفناك بمذاهب علماء الشريعة فيه للجمع بين العبادتين الظاهرة في حسك والباطنة في عقلك فنكون من أهل الجمع والوجود فإنك إذا طلبت الطريق إلى الله من حيث ما شرعه الله كان الحق الذي هو المشرع غايتك وإذا طلبته من حيث ما تعطيه نفسك من الصفاء والإلتحاق بعالمها من التنزه عن الحكم الطبيعي عليها كان غايتها الإلتحاق بعالم الروحاني خاصة ومن هناك تنشأ لها شرايع الأرواح تسلك عليها وبها حتى يكون الحق غايتها هذا إن فسح الله له في الأجل وإن مات فلن يدرك ذلك أبدا وقد أفردنا لهذه الطريقة خلوة مطلقة غير مقيدة في جزء يعمل عليها المؤمن فيزيد إيمانا ويعمل بها وعليها غير المؤمن من كافر ومعطل ومشرك ومنافق فإذا وفي العمل عليها وبها كما شرطناه وقررناه فإنه يحصل له العلم بما هو الأمر عليه في نفسه ويكون ذلك سبب إيمانه بوجود الله إن كان معطلا وبتوحيد الله إن كان مشركا وبحصول إيمانه إن كان كافرا وبإخلاصه إن كان منافقا أو مرتابا فمن دخل تلك الخلوة وعمل بتلك الشرائط كما قررنا أثمرت له ما ذكرنا وما سبقني إليها أحد في علمي إلا أن كان وما وصل إلي فإن الله لا تحجير عليه يؤتي الحكمة من يشاء فإني أعلم أن أحدا من أهل الطريق ما يجهلها إن كان صاحب كشف تام ولكن ما ذكروها ولا رأيت أحدا منهم نبه عليها إلا الخلوات المقيدة ولولا ما سألني فيها أخونا وولينا أبو العباس أحمد بن علي ابن ميمون بن آب التوزري تم المصري المعروف بالقسطلاني المجرور والان بمكة ما خطر لنا الإبانة عنها فربما اتفق لمن تقدمنا مثل هذا فلم نبهوا عليها لعدم السائل قررنا أثمرت له ما ذكرنا وما سبقني إليها أحد في علمي إلا أن كان وما وصل إلي فإن الله لا تحجير عليه يؤتي الحكمة من يشاء فإني أعلم أن أحدا من أهل الطريق ما يجهلها إن كان صاحب كشف تام ولكن ما ذكروها ولا رأيت أحدا منهم نبه عليها إلا الخلوات المقيدة ولولا ما سألني فيها أخونا وولينا أبو العباس أحمد بن علي ابن ميمون بن آب التوزري تم المصري المعروف بالقسطلاني المجرور والان بمكة ما خطر لنا الإبانة عنها فربما اتفق لمن تقدمنا مثل هذا فلم نبهوا عليها لعدم السائل
فصل بل وصل في وقت صلاة العصر
Page 485