Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
اختلف العلماء بالشريعة في الطهارة بالأسئار على خمسة أقوال فمن قائل إنها طاهرة بإطلاق وبه نقول ومن قائل إنه لا يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ومن قائل إنه يجوزر للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن جنبا أو حائضاص ومن قائل لا يجوز لكل واحد منهما أن يتطهر بفضل طهور صاحبه ولكن يشرعان معا ومن قائل إنه لا يجوز أصلا ومن قائل يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تخل به وصل حكم الباطن في ذلك فأما حكم الباطن في ذلك فاعلم أن الرجل يزيد على المرأة درجة فإذا اتخذا دليلا على العلم بالله من حيث ما هما رجل وامرأة لا غير فمن رأى أن لزيادة الدرجة في الدلالة فضلا على من ليس لها تلك الدرجة نقصه م العلم بذلك القدر فمن لم يجز الطهارة بذلك قال إنما يدل من كونه رجلا وامرأة أي من كونهما فاعلا ومنفعلا على علم خاص في الإله وهو العلم بالمؤثر والمؤثر فيه وهذا يوجد في كل فاعل ومنفعل فلا يجوز أن يوجد مثل هذا في العلم بالله ولا يتطهر به القلب من الجهل بالله ومن أجازه قال جل المعرفة بالله أن يكون خالقنا وخالق الممكنات كلها وإذا ثبت افتقارنا إليه وغناه عنا فلا تبالي بما فاتنا من العلم به فهذان قولان بالجواز وبعدم الجواز وبهذا الاعتبار نأخذ ما بقي من الأقسام مثل الشروع معا غير أن في الشروع معا زيادة في المعرفة وهي عدم التقييد بالزمان وهو حال الوقوف على وجه الدليل وهو أيضا كالنظر في دلالتهما من حيث ما يشتركان فيه وليس إلا الإنسانية ومثل طهارة المرأة بفضل الرجل فإنه يعطي في الدلالة ما تعطي المرأة وزيادة ومثل طهور الرجل بفضل المرأة ما لم تكن جنبا بالتغرب عن موطن الأنوثة وهو منفعل فقد اشترك مع الأنثى التي انفعلت عنه فإنه منفعل عن موجده ومن تغرب عن موطن الأنوثة من تشبيهها بالرجل فإن ذلك يقدح في أنوثتها أو حائضا وهي صفة تمنع من مناجاة الحق في الصلاة والمطلوب من العلم بالله القربة والحال في الحيض البعد من الله من حيث تناجيه فالمعرفة بهذه الصفة تكون معرفة حجابية من الاسم البعيد وأما قول القائل ما لم تخل به فإن لم تخل به جازت الطهارة وإن خلت به لم تجز فاعلم إن العالم بالله كما يعلم إن ذاته منفعلة في وجود عينها عن الله ولا يعرف إنه يرضي الله ويغضبه بأفعاله إذ قد وقع التكليف فما عرفه معرفة تامة فقد خلى بالمعرفة وهذا يقدح في طهارة تلك المعرفة وإذا عثر على أن له أثرا في ذلك الجناب مثل قوله تعالى أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فأعطى الدعاء من الداعي في نفس المدعو الإجابة ولا معنى للانفعال الأمثل هذا فهذا حقيقة قوله ما لم تخل به .
باب الوضوء بنبيذ التمر
اختلف علماء الشريعة في الوضوء بنبيذ التمر فأجاز الوضوء به بعضهم ومنع به الوضوء أكثر العلماء وبالمنع أقول لعدم صحة الخبر النبوي فيه الذي اتخذوه دليلا ولو صح الحديث لم يكن قوله نصا في الوضوء به فإنه قال صلى الله عليه وسلم فيه تمرة طيبة وماء طهور أي جمع النبيذ بين التمر والماء فسمي نبيذا فكان الماء طهورا قبل الامتزاج وإن صح قوله فيه شراب طهور لم يكن نصا في الوضوء به ولابد فقد يمكن أن يطهر به الثوب من النجاسة فإن الله ما شرع لنا في الطهارة للصلاة عند عدم الماء إلا التيمم بالتراب خاصة وصل حكم الباطن في ذلك وأما حكم الباطن في ذلك فإن الواقف في معرفته بالله على الدليل المشروع الذي هو فرع في الدلالة عن الدليل العقلي الذي هو الأصل وليس عند صاحب الدليل المشروع علم بما ثبت به كون الشرع دليلا في العلم بالإله فضعف في الدلالة وإن سماه ماء طهورا وتمرة طيبة فذلك لامتزاج الدليلين والمقلد لا يقدر على الفصل بين الدليلين فمن حيث يتضمن ذلك الامتزاج الدليل العقلي يجوز الأخذ به في الدلالة فيجيز الوضوء بنبيذ التمر ومن حيث الجهل بما فيه من تضمنه الدلالة العقلية لا يجوز الأخذ به وهو على غير بصيرة في ثبوت هذا الفرع فلم يجز الوضوء نبيذ التمر فإنه سماه شرابا وأزال عنه اسم الماء فافهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
أبواب نواقض الوضوء
حكم ذلك في الباطن أعني ناقض الوضوء أنه كل ما يقدح في الأدلة العقلية والأدلة الشرعية في المعرفة بالله أما في العقلية فمن الشبه الواردة وأما في الشرعية فمن ضعف الطريق الموصل إليها وهو عدم الثقة بالرواة أو غرائب المتون فإن ذلك مما يضعف به الخبر فكل ما يخرجك عن العلم بالله وبتوحيده وبأسمائه الحسنى وما يجب لله أن يكون عليه وما يجوز وما يستحيل عليه عقلا إلا أن يرد به خبر متواتر في كتاب أو سنة فإن ذلك كله ناقض لطهارة القلب بمعرفة الله وتوحيده وأسمائه فلنذكرها مفصلة كما وردت في الوضوء الظاهر إن شاء الله .
باب انتقاض الوضوء بما يخرج من الجسد من النجس
Page 438