Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فخصنا بلذة الكش . . . ف ولذات الشهود قال الله تعالى فاذكروني أذكركم رأيت سائلا يسأل شخصا بوجه الله أو بحرمة الله عندك أعطني شيئا ومعي عبد صالح يقال له مدور من أهل أسبجة ففتح الرجل صرة فيها قطع فضة صغار وكبار فأخذ يطلب على أصغر ما فيها من القطع قال لي العبد الصالح أتدري على ما يطلب قلت له قل قال لي على قيمته عند الله وقدره فكلما أخرج قطعة كبيرة يقول بلسان الحال ما نساوي مثل هذه عند الله فأخرج أصغر ما وجد فأعطاه إياها إلا أن الله وصف نفسه بالغيرة وعلم من أكثر عباده أنهم يهبون جزيل المال وأنفسه في هوى نفوسهم وأغراضهم فإذا أعطى أكثرهم لله أعطى كسرة باردة وفلسا وثوبا خلقا وأمثال هذا هذا هو الكثير والأغلب فإذا كان يوم القيامة وأحضر الله ما أعطى العبد من أجله بينه وبين عبده حيث لا يراه أحد فأحضر ما أعطى لغير الله فيقول له يا عبدي أليست هذه نعمتي التي أنعمت بها عليك أين ما أعطيت لمن سألك بوجهي فيعين ذلك الشيء التافه الحقير ويقول له فأين ما أعطيت لهوى نفسك فيعين جزيل المال من ماله فيقول أما استحييت مني أن تقابلني بمثل هذا وأنت تعلم أنك ستقف بين يدي وسأقررك على ما كان منك فما أعظمها من خجلة ثم يقول له قد عفرت لك بدعوة ذلك السائل لفرحه بما أعطيته لكني قد ربيتها لك وقد محقت ما أعطيته لهوى نفسك فإن صدقتك أخذتها وربيتها لك فيحضرها أمام الإشهاد وقد رجع الفلس أعظم من جبل أحد وما أعطى لغير الله قد عاد هباء منثورا قال الله تعالى يمحق الله الربا ويربى الصدقات فالعارفون بالله صغيرهم كبير وكبيرهم لا أعظم منه فإنهم لا يعطون لله إلا أنفس ما عندهم وأحقر ما عندهم فكلهم لله وكل ما عندهم لله العبد وما يملكه لسيده فيعطون بيد الله ويشاهدون يد الله هي الآخذة وهم مبرؤون في العطاء والأخذ مع غاية الاستقامة والمشي على سنن الهدى والأدب المشروع فيكونون عند الحق بمنزلة ما هو الحق في قلوبهم يعظمون شعائر الله وحرمات الله فيعظمهم الله يوم يقوم الأشهاد بمرأى منهم ويقيم الآخرين على مراتبهم فذلك يوم التغابن فيقول فاعل الشر يا ليتني فعلت خيرا ويقول فاعل الخير ليتني زدت والعارف لا يقول شيئا فإنه ما تغير عليه حال كما كان في الدنيا كذلك هو في الآخرة أعني من شهوده ربه وتبريه من الملك والتصرف فيه فلم يقم له عمل مضاف إليه يتحسر على ترك الزيادة منه وبذل الوسع فيه وما كان منهم من زلل مقدر وقع منهم بحكم التقدير فإن الله يتوب عليهم فيه بتبديله على قدر الزلة سواء لا يزيد ولا ينقص فإن العارف في كل نفس تائب إلى الله في جميع أفعاله الصادرة منه توبة شرعية وتوبة حقيقية فالتوبة المشروعة هي التوبة من المخالفات والتوبة الحقيقية هي التبري من الحول والقوة بحول الله وقوته فلم يزل العارف واقفا بين التوبتين في الحياة الدنيا في دار التكليف فإن كان له اطلاع إلهي على أنه قد قيل له افعل ما شئت فقد غفرت لك فإن ذلك لا يخرجه عن تبريه ولم تبق له بعد هذا التعريف توبة مشروعة لأنه بين مباح وندب وفرض لا حظ له في مكروه ولا محظور لأن الشرع قد أزال عنه هذا الحكم في الدار الدنيا ورد ذلك في الخبر الصحيح عن الله في العموم وفي أهل بدر في الخصوص لكنه في أهل بدر على الترجي وفي وقوعه في العموم واقع بلا شك فمن أطلعه الله عليه من نفسه بأنه من تلك الطائفة فذلك بشرى من الله في الحياة الدنيا قال الله تعالى الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله هذا حال المؤمن المتقي فكيف بحال العارف النفي الذي ما لبس ثوب زور وما زال نورا في نور فمن حافظ على آداب الشريعة وأعطى الطبيعة ما أوجب الله عليه من حقها وما تعدى بها منزلتها كان من العارفين الأدباء وأصحاب السر الأمناء والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الثامن والثلاثون وأربعمائة في معرفة منازلة من قرأ كلامي رأى
غمامتي فيها سرج ملائكتي تنزل عليه وفيه إذا سكت رفعت عنه ونزلت أنا
كلامي ليس غيري وهو غيري . . . وإن المثل للأمثال ضد
Page 53