1314

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

صورة الرائي تجلت عنده . . . وهو عين الرائي بل عين الحجاب ورد في الصحيح تجلي الحق في الصور وتحوله فيها وهو مرادنا بالحجاب ثبت عقلا وشرعا وكشفا والكشف يعطي ما يعطي الشرع سواء وإن الحق لا يقبل التغيير فإما بالعقل فالأدلة في ذلك معروفة لي هذا الكتاب موضعها فإنه مبني على الشرع وعلى ما يعطيه الكشف والشهود فإن العقول تقصر عن إدراك الأمر على ما يشهد به الشرع في حقه وأما الشرع فقوله ليس كمثله شيء فلو تغير في ذاته لم يصدق هذا الحكم وهو صدق فاستحال أن يتغير في ذاته والحق يقول إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده وقال كنت سمعه وبصره فالصور التي تقع عليها الأبصار والصور التي تدركها العقول والصور التي تمثلها القوة المتخيلة كلها حجب يرى الحق من ورائها وينسب ما يكون من هذه الصور من الأعمال إلى الله تعالى كما قال والله خلقكم وما تعلمون فلم يزل الحق غيبا فيما ظهر من الصور في الوجود وأعيان الممكنات في شيئية ثبوتها على تنوعات أحوالها مشهودة للحق غيبا أيضا وأعيان هذه الصور الظاهرة في الوجود الذي هو عين الحق أحكام أعيان الممكنات من حيث ما هي عليه في ثبوتها من الأحوال والتنوع والتغيير والتبديل تظهر في هذه الصور المشهودة في عين الوجود الحق وما تغير الحق عما هو عليه في نفسه كما أن الهباء ما تغير عن كونه هباء مع قبوله لجميع الصور فهي معان في جوهره والمعاني المنسوبة إلى تلك الصور والأعراض والصفات من باب قيام المعنى بالمعنى فل تزال الحجب مسدلة وهي أعيان هذه الصور فلا يرى إلا من وراء حجاب كما لا يكلم إلا من وراء حجاب فإذا رآه الرائي كفاحا فما يراه إلا حتى يكون الحق بصره فيكون هو الرائي نفسه ببصره في صورة عبده فأعطته الصورة المكافحة إذا كانت الحاملة للبصر ولجميع القوى فتشهده في الصور عينا من الاسم الظاهر إذ هو بصرك وكفاحا وتشهده من الاسم الباطن علما إذ هو بصرا آلتك التي أدركت بها ما أدركت وإنما قلنا كفاحا لما ورد في الخبر النبوي الذي خرجه الترمذي وغيره في سياق هذه اللفظة عينها ثم أن صاحب الرؤيا إذا رأى ربه تعالى كفاحا في منامه في أي صورة يراه فيقول رأيت ربي في صورة كذا وكذا ويصدق ويصدق مع قوله تعالى ليس كمثله شيء فنفى عنه المماثلة في قبوله التجلي في الصور كلها التي لا نهاية لها لنفسه فإن كل من سواه تعالى ممن له التجلي في الصور لا يتحلى في شيء منها لنفسه وإنما يتجلى فيها بمشيئة خالقه وتكوينه فيقول للصورة التي يتجلى فيها من هذه صفته كن فتكون الصورة فيظهر بها من له هذا القبول من المخلوقين كالأرواح والمتروحنين من الأناسي كقضيب البان وشبهه بقول الله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك فسواه وعدله على مزاج يقبل كل صورة إذا شاء الحق وجعل التركيب لله لا له وفي نسبة الصور لله يقال في أي صورة شاء ظهر من غير جعل جاعل فلا يلتبس عليك الأمر في ذلك ولما لم يكن له تعالى ظهور إلى خلقه إلا في صورة وصوره مختلفة في كل تجل لا تتكرر صورة فإنه سبحانه لا يتجلى في صورة مرتين ولا في صورة واحدة في شخصين ولما كان الأمر كذلك لم ينضبط للعقل ولا للعين ما هو الأمر عليه ولا يمكن للعقل تقييده بصورة ما من تلك الصور فإنه ينتقض له ذلك التقييد في التجلي الآخر في الصورة الأخرى وهو الله في ذلك كله لا يشك ولا يرتاب إلا إذا تجلى له في غير معتقده فإنه يتعوذ منه كما ورد في صحيح الأخبار فيعلم أن ثم في نفس الأمر عينا تقبل الظهور في هذه الصور المختلفة لا يعرف لها ماهية أصلا ولا كيفية وإذا حكم ولا بد بكيفية فيقول الكيفية ظهورها فيما شاء من الصور فتكون الصور مشاءة وكل مشاء معلوم بلا شك فما ظهر لك إلا حادث في عين قديم فما رأيت إلا حادثا مثلك لأنك ما رأيت إلا صورة يقيدها نظرك ببصر هو الحق في عين هو الحق أعني في العين التي ظهرت في تلك الصورة فهو مدرك عينا في الآخرة والنوم وعلما وشرعا وغير مدرك علما ولا نشك إيمانا وكشفا لا عقلا إن بهويته أدرك المدرك جميع ما يدرك سواء أدرك جميع ما يدرك أو بعضه على أي حالة يكون استعداد المدرك اسم مفعول فالبصر هو من المدرك اسم فاعل هويته الحق لا بد من ذلك وهكذا جميع ما ينسب إلى هذه الآلات من القوى ما هي سوى هوية الحق إذ يستحيل خلاف ذلك فالآلات ومحلها أحكام أعيان الممكنات في عين الوجود الحق وهو لها كالروح للصورة التي لا يمسك عليها ذلك النظام إلا هو ولا تدرك تلك الصورة شيئا إلا به حسا وخيالا والكل بحمد الله خيال في نفس الأمر لأنه لا ثبات لها دائما على حال واحدة والناس نيام وكل ما يراه النائم قد عرف ما يرى وفي أي حضرة يرى فإذا ماتوا انتبهوا من هذا النوم في النوم فما برحوا نائمين فما برحوا في رؤية فما برحوا في أنفسهم من هذا التنوع وما برح ما يدركونه في أعينهم من التنوع فلو يزل المر كذلك ولا يزال الأمر في الحياة الدنيا وفي الآخرة هكذا كما أوردناه وذكرناه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

الباب الخامس عشر وأربعمائة في معرفة منازلة من دعاني فقد أدى حق

عبوديته ومن أنصف نفسه فقد أنصفني

إذا ما دعوت الله من غير أمره . . . فلست له عبدا وما أنصف العبد

وأصبحت عبدا للحظوظ وما لنا . . . وفاء ولا عهد وقد ثبت العهد

ولولا قيام العبد في عهد ربه . . . لما صح أوفوا بالعقود ولا وعد

وليس سوى التكليف قربا مخصصا . . . يعينه أمر ويثبته عقد

وقامت حقوق الحق من كل جانب . . . علينا ولولا القرب ما عرف البعد

فمن أنصف الأكوان أنصف ربه . . . وكان له في ذات خالقه الخلد

وصح له مجد تليد وطارف . . . وكان له بين الملائكة الحمد

إلا إنما العبد الذي لم يزل به . . . يموت ويحيا والوقوف له حد

وما كلف الرحمن نفسا سوى الذي . . . تقوم به فاجهد فقد ينفع الجهد

فمن قام بالرحمن كان له الجد . . . ومن قام للرحمن كان له الجد

Page 23