Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
وانظر فأنت الأمر فاثبت على . . . علم ولا تنظر إلى حدسه قال تبارك وتعالى ليس كمثله شىء وقال وما قدروا الله حق قدره وقال تعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون وقال وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزير الحكيم وقال والله غنى عن العالمين ومع هذا كله فهو القائل في الصحيح من الأخبار عنه مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعني وظمأت فلم تسقني مثل هذا القول لعبده فانزل نفسه هنا منزلة عباده وأين ذلك الكبرياء من هذا النزول وثبت في الصحيح أن الله يعجب من الشاب ليست له صبوة وثبت أن الله أفرح بتوبة عبده من فرح صاحب الناقة التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها بعد ما ضلت وهو في فلاة من الأرض منقطعة وأيقن الموت ففرح بها فالله أفرح بتوبة عبده من هذا بناقته وثبت عنه أنه تعالى يتبشبش للذي يأتي المسجد كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا ورد عليهم وأين هذا كله من قوله تعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وما قدروا الله حق قدره فأين هذا النزول من هذه الرفعة فهذا هو التواضع الكبريائي وكل حق وقول صدق وحكم صحيح إن كشف الله عن بصريته من علماء عباده فأرا الحق حقا وأراه الباطل باطلا وهنا تعلقت الرؤية بالمعدوم فإن الباطل عدم وإذا كان العبد يتصف برؤية المعدوم فالحق أولى بهذه الصفة إنه يرانا في حال عدمنارؤية عين وبصر لا رؤية علم وأما قوله ليس كمثله شيء فهو على الصحيح من الفهم معنى وله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته في بعض وجوه محتملات هذا الخبر وقوله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فما ذاك إلا لخلقه على صورة الحق وإنما رده إلى أسفل سافلين ليجمع له كمال الصورة بالأوصاف كما ذكر عن نفسه أنه عليه فأين اتصافه بنفي المثل عن نفسه من اتصافه بالحد والمقدار من استواء ونزول واستعطاف وتلطف في خطاب وغضب ورضا وكلها نعوت المخلوق فلولا يصف نفسه بنعوتنا ما عرفناه ولو لم ينزه نفسه عن نعوتنا ما عرفناه فهو المعروف في الحالين والموصوف بالصفتين ولهذا خلق من كل شيء زوجين ليكون لأحد الزوجين العلو وهو الذكر ولأحد الزوجين السفل وهو الأنثى ليظهر من بينهما إذا اجتمعا بقاء أعيان ذلك النوع وجعل ذلك في كل نوع نوع ليعلمنا أن الأمر في وجودنا على هذا النحو فنحن بينه وبين معقولية الطبيعة التي أنشأ منها الأجسام الطبيعية وأنشأ من نسبة توجهه عليها الأرواح المدبرة وكل ما سوى الله لابد أن يكون مركبا من راكب ومركوب ليصح افتقار الراكب إلى المركوب وافتقار المركوب إلى الراكب لينفرد سبحانه بالغنى كما وصف نفسه فهو غني لنفسه ونحن أغنياء به في عين افتقارنا إليه فيما لا نستغني عنه فكل ما سوى الله مدبر ومدبر لهذا المدبر فالمدبر اسم فاعل بما هو مدبر يجد ذلك قوة في ذاته يفتقر إلى مدبر يظهر فيه تدبيره والمدبر اسم مفعول بما هو مدبر يجد ذلك حالة في ذاته يفتقر بها إلى من يدبر ذاته لصلاح عينه وبقائه ففقر كل واحد إلى الآخر فقر ذاتي وإنما يتصف بالغنى عنه لكونه لا يفتقر لا إلى مدبر لا إلى هذا المدبر بعينه كما أن المدبر يتصف بالغنى لكونه لا يفتقر إلا إلى هذا المدبر بعينه فكل واحد منهما غني عن اآلآخر عينه لا عن التدبير منه وفيه فغنى كل واحد ليس على الإطلاق وغنا الحق مطلق بالنظر إلى ذاته والخلق مفتقر على الإطلاق بالنظر أيضا إلى ذاته فتميز الحق من الخلق ولهذا كفر من قال أن الله فقير ونحن أغنياء فهذا التمييز لا يرتفع أبدا لأنه تميز ذاتي في الموصوف به من حق وخلق فما ثم الأشيئيتان شيئة حق وشيئة خلق فليس كمثل الخلق في افتقار شيء لأنه ما ثم إلا الحق لا يوصف بالافتقار فما هو مثل الخلق فليس مثل الخلق شيء وليس كمثل الحق في غناه شيء لأنه ما ثم إلا الخلق والخلق لا يتصف بالغنى لذاته فما هو مثل الحق فليس مثل الحق شيء لأنه كما قلنا ما ثم شيء إلا الخلق والحق فالخلق من حيث عينه ذات واحدة في كثير والحق من حيث ذاته وعينه ذات واحدة لها أسماء كثيرة ونسب فمن لم يعلم قوله تعالى ليس كمثله شيء على ما قررناه فلا علم له بهذه الآية فإنه جاء بالكاف ثم نفى المثلية عن نفسه بزيادة الكاف للتأكيد في النفي ثم نفى المثلية عن العالم بجعل الكاف صفة فعلق النفي بالمماثل في النفي أي انتفت عن الخلق المثلية لأنه ما ثم إلا حق لا يماثل وانتفت عن الحق المثلية لأنه ما ثم إلا خلق لا يماثلما ثم إلا خلق لا يماثل
فهكذا تفهم المعاني . . . إذ جاءنا النور بالبيان
فليس في الكون غير فرد . . . حق وإن شئتم اثنتان
وكل عين لها انفراد . . . بذاتها لا ترى بثاني
وقد أتى في الصلاة حكم . . . منه بتقسيمه المثاني
فميز الخلق عنه فيها . . . لأجل ذا لاحت اثنتان
فقال بيني وبين عبدي . . . فمن رآه فقد رآني
فلست غير إله ولا هو . . . لوحدتي في الوجود ثاني
ترجم عنه لسان خلق . . . بما ذكرنا من البيان
Page 518