Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
من علم الحق علة ذوق . . . لم يدر مالذة السجود فنار جهنم لها نضج الجلود وحرق الأجسام ونار الله نار ممثلة مجسدة لأنها نتائج أعمال معنوية باطنة ونار جهنم نتائج أعمال حسية ظاهرة ليجمع لمن هذه صفته بين العذابين كما فعل بأهل الجزية في إعطائها عن يد وهم صاغرون فعذبهم بعذاب إخراج المال من أيديهم وبين الصغار والقهر الذي هو عذاب نفوسهم مما يجدون في ذلك من الحرج ألا ترى المنافق في الدرك الأسفل من النار فهو في نار الله لما كان عليه من إصرار الكفر وماله في الدرك الأول مقعد لما أتى به من الأعمال الظاهرة بخلاف الكافر فإن له من جهنم أعلاها وأسفلها فما عنده من يعصمه من نار الله ولا من نار جهنم وما حكم الذي جحدها واستيقن الحق واعتقده فإنه على صدأ وعكس عذاب المنافق فإنه عالم بالحق بتحقيق به في نفسه ولم يظهر ذلك على ظاهر نشأته فاظهر خلاف ما أضمر والنار إنما تطلب من الإنسان من لم تظهر عليه صورة حق من ظاهر وباطن فالعلم للباطن كالعمل للظاهر والجهل للباطن كترك الواجب للظاهر وهنا يتبين للإنسان مراتب وأسباب المؤاخذات الإلهية لعباده في الدار الآخرة فإذا استوفيت الحدود عمت الرحمة من خزانة الجود وهو قوله وأما الذين شقوا ففي النار خالدين فيها مادامت السموات والأرض الآية وهذا هو الحد الزماني لأن التبديل لابد أن يقع بالسموات والأرض فتنتهي المدة عند ذلك وهو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل لأنه غير مخاطب ببقاء السموات والأرض قبل التكليف وهذا في حق السعيد والشقي فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة فإذا انتهت نعيم الجزاء الوفاق وعذاب الجزاء وانتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية التي لم يربطها الله بالأعمال ولا خصها بقوم دون قوم وهو عطاء غير مجذوذ ماله مدة ينتهي بانتهائها كما انتهى الكفر والإيمان هنا بانتهاء عمر المكلف وانتهت إقامة الحدود في الأشقياء والنعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السموات والأرض إلا ما شاء ربك في حق الأشقياء إن ربك فعال لما يريد وكذا وقع الأمر بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية وما قال تعالى في الأشقياء عذابا غير مجذوذ كما قال تعالى في السعداء فعلمنا بذكر مدة السماء والأرض وحكم الإرادة في الأشقياء والإعراض عن ذكر العذاب إن للشقاء مدة ينتهى إليها حكمه وينقطع عن الأشقياء بانقطاعها وإن جزاء السعيد على مثل ذلك ثم تعم المنن والرضى الإلهي على الجميع في أي منزل كانوا فإن النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج وغرض النفوس لا أثر للأمكنة في ذلك فحيثما وجد ملايمة الطبع ونيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه فاعلم ذلك ومتعلق الاستثناء معلوم في الطائفتين لما كان عليه الكافر من نعيم الحياة الدنيا م نيل أغراضه وصحة بدنه ولما كان عليه المؤمن من عدم نيل أغراضه وأمراضه في الدنيا كل ذلك من زمان تكليف كل واحد من الطائفتين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ' الوصل الثاني عشر من خزائن الجود ' وهو الإهمال الإلهي فلا يدري صاحبه ماله فإن كل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أنهله الله وما أخذه وهو تحت حكم سلطان الاسم الحليم فهو كالمهمل فلا يدري هل تسبق له العناية بالمغفرة والعفو قبل إقامة الحد الإلهي عليه بالحكم أو يؤخذ فيقام عليه حدود جناياته إلى أجل معلوم ولما كان هذا الاحتمال يسوغ فيمن أمهله الله كانت صورة صاحب هذا الوصف صورة المهمل فإن الإهمال من جانب الحق ما يصح فإنه في علم الله السابق إما مغفور له وإما مؤاخذ بما جنى على نفسه فهو على خطر وعلى غير علم بما سبق له في الكتاب الماضي الحكم فإن الحكم يحكم على الحاكم العادل كما يحكم على المحكوم عليه فإما بالأخذ وإما بالعفو في الشخص الذي هو على نعت وحال يوجب له أحد الأمرين مما ذكرناه وليس إلا من أمهله الله فلم يؤاخذه في وقت المخالفة وكفى بالترقب للعارف العاصي الممهل الذي هو في صورة الممهل عذابا في حقه لأنه لا يدري ما عاقبة الأمر فيه وما من طائفة إلا وهي تحت ناموس شرعي حكمي أو وضع حكمي فلا تخلو أمة من مخالفة تقع منها لناموسها كان ما كان فلا ينفك صاحب هذه المخالفة من مراقبة العفو أو المؤاخذة على ما قرره عليه واضع ناموسه فقد عمت النواميس جميع الأمم وهو قوله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير فهو إما نذير بأمر الله وإرادته أو نذير بإرادة الله لا بوحي نزل عليه يعلم به أنه من عند الله فأمر الله إنما متعلقه عين إيجاد إنذاره فيه فقيل لإنذاره كن في هذا العبد فكان فوجد الإنذار في نفسه ولم يدر من أين جاء فهذا الفرق بين الشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل من عند الله وبين ما وضعته حكماء الإعصار لاتباعها لمصالحهم فمن وفى بحق ناموسه واحترمه ووقف عند حده ابتغاء رضوان الله فقد أحسن في عمله وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أو تعلم أنه يراك فهذا هو الحد الضابط للإحسان في العمل وما عدا هذا فهو سوء عمله فإن كان ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فلا يخلو أما أن تكون رؤية سوء العمل حسنا بعد اجتهاد بفي بما في وسع ذلك الشخص المجتهد فقد وفى الأمر الأمر حقه وهو صاحب عمل حسن ويكون حكم كونه سوء عمل يراه في اجتهاد سوء عين حكم المصيب للحق صاحب الآخرين ويكون هذا المزين له بهذه الصفة صاحب الأجر الواحد وإن لم يكن عن استيفاء الاجتهاد بقدر الوسع ورآه حسنا عن غير اجتهاد فهو في المشيئة فلا يدري بما ختم له ولماذا يؤول أمره في مدة إقامة الحدود في الدنيا والآخرة فإنه ممن أسرف على نفسه فإن قنط من رحمة الله فما وفى الأمر حقه وساء ظنا بربه والرب عند ظن عبده به وقد نهى الله المسرف على نفسه عن القنوط فهل قنوطه بارتكاب هذا المنهي عنه الآتي بعد حصول إسرافه معتبر له أثر يحول بين المغفرة وبين صاحبه أو حكمه حكم كل إسراف سواه فهذا أيضا ممهل لا يدري ما الأمر فيه إذا أنصف الناظر لأنه قال إن الله يغفر الذنوب جميعا مع ارتفاع القنوط أو مع وجوده إلا المشرك الذي لم يبذل وسع نفسه في طلبه عدم الكثرة في الاسم الإلهي فإنه لابد من مؤاخذته فتعين على العاقل معرفة المدد الزمانية واختلاف الأزمان والدهور والإعصار وما يجري من ذلك إلى أجل مسمى في الأشخاص المقول عليها أنها أزمان وما يجري منها إلى غير أجل مسمى وما الحق الذي يوجب الشكر وما الحق الذي يوجب الصبر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وأما الإيمان فهو أمر عام وكذلك الكفر الذي هو ضده فإن الله قد سمى مؤمنا من آمن بالحق وسمى مؤمنا من آمن بالباطل وسمى كافرا من يكفر بالله وسمى كافرا من يكفر بالطاغوت وبين مآل هؤلاء وهؤلاء والطريق التي جاءت ببيانها أيده بالدلالات على صحته أنه من عند الله المرجو في كل ملة ونحلة وعند كل طائفة والأعمال الصالحة رأسها الإيمان فهي تابعة له كان الإيمان بما كان وما في الأمور الوجودية أغمض من هذه المسئلة لأن الله قرن العمل السيء بالتزيين حتى يراه العامل حسنا فيتخذه صالح عمل وعلى الله قصد السبيل فجاء بالألف واللام للشمول في السبيل فإنها كلها سبل يراها من جاهد في الله فأبان له ذلك الجهاد السبل الإلهية فسلك منها الأسد في نفسه وعذر فيما هم عليه من السبل وانفرد بالله فهو على نور من الله إذا عرف الله من فعله . . . فإهماله عين إمهاله
فعين تراه بتفصيله . . . وعين تراه بإجماله
فقوم على حكم إحسانه . . . وقوم على حكم إجلاله
فيقبض شخصا بتعريفه . . . ويبسط شخصا بإهماله
فسبحان من حكمه واحد . . . بإعراضه أو بإقباله
وسبحان من عم إحسانه . . . بإدلاله أو بإدلاله
وكل بإعداده قابل . . . لخسرانه ولإفضاله
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ' الوصل الثالث عشر من خزائن الجود ' مآل الأمر الرجوع من الكثرة إلى الواحد من مؤمن ومشرك لأن المؤمن الذي يعطي كشف الأمور على ما هي عليه يعطي ذلك وهو قوله تعالى فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وذلك قبل خروجه من الدنيا فما قبض أحد إلا على كشف حين يقبض فيميل إلى الحق عند ذلك والحق والتوحيد والإيمان به فمن حصل له هذا اليقين قبل الاحتضار فمقطوع بسعادته واتصالها فإن اليقين عن النظر الصحيح والكشف الصريح يمنعه من العدول عن الحق فهو على بينة من الأمر وبصيرة ومن حصل له هذا اليقين عند الاحتضار فهو في المشيئة وإن كان المآل إلى السعادة ولكن بعد ارتكاب شدائد في حق من أخذ بذنوبه ولا يكون الاحتضار إلا بعد أن يشهد الأمر الذي ينتقل إليه الخلق وما لم يشاهد ذلك فما حضره الموت ولا يكون ذلك احتضارا فمن آمن قبل ذلك الاحتضار بنفس واحد أو تاب نفعه ذلك الإيمان والمتاب عند الله في الدار الآخرة وحاله عند قبض روحه حال من لاذنب له وسواء رده لذلك شدة ألم ومرض أوجب له قطع ما يرجوه من الحياة الدنيا أو غيره فهو مؤمن تائب ينفعه ذلك فإنه غير محتضر ما آمن ولا ناب إلا لخميرة كانت في باطنه وقلبه لا يشعر بها فما مال إلى ما مال إليه إلا عن أمر كان عليه في نفسه لم يظهر له حكم على ظاهره ولا له في نفسه إلا في ذلك الزمن الفرد الذي جاء في الزمان الذي يليه الاحتضار الذي يوجب له الإيمان المحصل في المشيئة
فكم بين محكوم له بسعادة . . . وما بين من تقضي عليه مشيئته
فذلك تخليص عزيز مقدس . . . وذاك على حال أرته حقيقته
Page 377