1124

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

كل من تدرك الحقائق منه . . . ما لديه مما لها فمنجى اعلم أيدك الله أن العالم عند الله من علم علم الظاهر والباطن ومن لم يجمع بينهما فليس بعالم خصوصي ولا مصطفى وسبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله بما يخالف علمه فكل من ادعى علما وعمل بخلافه في الحال الذي يجب عليه عقلا وشرعا العمل به فليس بعالم ولا ظاهر بصورة عالم ولا تغالط نفسك فإن وبال ذلك ما يعود على أحد إلا عليك فإن قلت قد نجد من يعلم ولا يرزق التوفيق للعمل بعلمه فقد يكون العلم ولا عمل قلنا هذا غلط من القائل به لتعلم أن مسمى العلم ينطلق اسمه على ما هو علم وما ليس بعلم فإن الله تعالى يقول فاعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من اللم فأعلمنا أنهم علموا ولكن لا أريد بالعلم إلا ما حصل عن مشاهدة المعلوم فإن حصل عن دليل فكري فليس بعلم حقيقي وإن كان في نفس الأمر علما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر سورة في القرآن ولم يسمها ليختبر أصحابه فوقع في نفس بعض أصحابه أنها ربما تكون الفاتحة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها الفاتحة ولم تقع للصاحب على جهة القطع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بما وقع له ليهنك العلم فهو علم في نفس الأمر لا عند هذا الصاحب الذي وقع له ذلك فلما كان هذا كذلك ذهب من ذهب إلى القول بالعمل بخلاف العلم مع وجود العلم والصحيح إذا اختبرته وبحثت عليه وجدت الحق فيما ذهبنا إليه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فهم عنه أن الله إذا أراد مضاء قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى إذا أمضى فيهم قضاءه وقدره ردها عليهم ليعتبروا وليس سوى ذهاب العلم عنهم والاعتبار عمل أوجبه العلم فهذا عين ما ذهبنا إليه قال تعالى في حق قوم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فعملوا بما علموا وهم عن الآخرة هم غافلون فلم يعملوا لها فإنه أغفلهم عنها فنسوا آخرتهم فتركوا العمل لها إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد قال تعالى آمرا وذكر يعنى بالعلم من غفل عنه أو نسيه فإن الذكرى تنفع المؤمنين وهم الذين علموا ما تم بنور الإيمان كشفا ثم أنهم غفلوا فحيل بينهم وبين ما علموه من ذلك وكان المشهود لهم ما كانوا به عالمين في وقت نسيانهم فإذا ذكروا تذكروا وقال لهم شهود ما قد كانوا علموه فنفعتهم الذكرى فعملوا بما علموا فشهد الله أن الذكرى تنفع المؤمنين فإذا رأيت من يدعي الإيمان ويذكر فلا يقع له نفع بما ذكر به علمت أنه في الحال ليس بعالم بما آمن به فليس بمؤمن أصلا فإن شهادة الله حق وهو صادق وقد أعلمنا أن المؤمن ينتفع بالذكرى وشهدتا أن هذا لم ينتفع بالذكرى فلا بد أن نزيل عنه الإيمان تصديقا لله ولا معنى للنفع إلا وجود العمل منه بما علم وما نرى أحدا يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به إلا وفي نفسه احتمال ومن قال له في شيء احتمال فليس بعالم به ولا بمؤمن بمن أخبره بذلك إيمانا يوجب له العلم مع أنك لو سألته لقال لك ما نشك في أن ما جاء به هذا الشخص حق يعني الرسول عليه السلام وأنابه مؤمن فهذا قول ليس بصحيح إلا في وقت دعواه عند بعض الناس ثم إذا خلى بفكره قال معه الاحتمال فكان ذلك الذي تخيل أنه علم أمر عرض له وبعضهم لا يزول عنه الاحتمال في وقت شهادته أن هذا حق صريح مع وجود الاحتمال وسبب هذه الشهادة بذلك أن الأمر إذا كان يحتمل أن يكون صدقا ويحتمل أن يكون كذبا فتجلى له في الوقت صدق ورده وتصديقه لذلك الذي هو به مؤمن أحد محتملات ذلك الخبر وهو كونه صدقا هذا هو المشهود له في ذلك الحال فيقطع في ذلك الوقت بصدقه وبأنه لا يشك فيه وما علم أن ذلك من تجلي أحد محتملاته فإذا غاب عنه ذلك الوارد قامت معه المحتملات على السواء فلم يترجح عنده ذلك إلا بطريق الظن لا بالعلم فانظر يا أخي ما أخفى غوائل النفس وما أعظم حجاب الجهل مع كونه عدما فكيف بنا لو كان وجودا فلله الحمد والمنة وإنما نبهناك على هذا لتعلم حظك من الإيمان ومنزلتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح عنه لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي مصدق بالعقاب عليه فإنه تعالى قد يغفر وإن الإيمان إذا لم يعط الكشف الذي يعطيه العلم فليس بإيمان فاعلم أن العلم يعطي العمل من خلف حجاب رقيق وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزاني إذا زنى خرج عنه الإيمان حتى صار عليه كالظلة ولنا فيه تأويل حسن وهو أن الزاني قد تعرض لبلاء من الله ينزل عليه فيخرج الإيمان حتى يصير عليه كالظلة يمنع نزول ذلك البلاء عليه إن نزل فلا تغفل يا ولي عن هذا القدر الذي نبهتك عليه ألا ترى الله تعالى ما نصب الآيات وكثرها إلا ليحصل بها العلم لعلمه أن العلم إذا حصل لزم العمل ألا ترى إلى شارب الدواء وهو عمل ما شربه وتجرع مرارته إلا لعلمه أن ثم دواء مزيلا لهذه العلة التي يشكو منها فيقول عسى يكون ذلك الدواء عين هذا الذي شربته فيشربه بالإمكان والترجي فكيف به لو علم أنه عين الدواء بلا شك لسارع إليه فهذا حاله مع الترجي والإمكان فإن قلت فقوله تعالى وأضله الله على علم في حق من اتخذ إلهه هواه قلنا له الإله له القوة في المألوه وإله هذا هو هواه فحكم عليه وأضله عن سبيل الله وأما قوله على علم يعني من أنه أضله الله على علم لا أن الضال على علم فإن الضال هو الحائر الذي لا يعرف في أي جهة هو مطلوبه فتعلق على علم أضله وهو العامل فيه وهو فعل الله تعالى والذي على الله إنما هو البيان خاصة قال تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون أي ليحير قوما بعد أن هداهم في أخذ الميثاق والفطرة التي ولدوا عليها حتى يبين لهم ما يتقون فإذا أبان لهم حيرهم فمنهم من حيره بالواسطة فشك في النبوة وحار فيها وما تحقق أن هذا نبي فتوقف في الأخذ عنه ومنهم من حيره في أصل النبوة هل لها وجود أم لا ومنهم من حيره فيما جاء به هذا النبي مما تحيله الأدلة النظرية فأورثهم البيان الإلهي هذه الحيرة وذلك لعدم الإيمان فلم يكن لهم نور إيمان يكشف لهم عن حقيقة ما قاله الله وأبان عنه ومن لم جعل الله له نورا هنا من إيمانه فما له من نور في القيامة إن الله بكل شيء عليم فعمل بما علم أنه يكون لم يكونه فكان عمله بعلمه قد أنزله بعلمه والإنزال عمل أوجده العلم فلما أبان الحق ما أبانه لعباده فمنهم من رزقه الله العلم فعمل به ومنهم من حرمه الله العلم فضل وحار وشك وارتاب وتوقف وأما قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فإنهم مصدقون بكتابهم وهذا النعت فيه وقد أبصروه فيعلمون أنه عين هذا النعت ولا يعرفون الشخص الذي قام به هذا النعت لجواز أنه يقوم ذلك النعت بأشخاص كثيرين فدخلهم الاحتمال في الشخص لا في النعت وأما قوله تعالى وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون أنه الحق فيكتمونه عن مقلديهم وعن النبي عليه السلام أنهم عرفوه أنه صاحب هذا النعت ولا يلزم من العالم بالحق الإقرار به في الظاهر وإنما يستلزمه التصديق به في الباطن فهو مصدق به وإن كذبه باللسان فقد عمل بما علم وهو التصديق وقوله تعالى في مثل هذا واستيقنتها أنفسهم أنها آيات فعلموا وعملوا بما علموا وهو التيقن الذي هو استقرار العلم في النفس فلولا ما علموا ما تيقنوا وما كل عمل يعطي عموم النجاة بل يعطي من النجاة قدرا مخصوصا من عموم أو خصوص فإن قلت فإن أهل النار قد علموا صدق الله في إنفاذ الوعيد وقالوا ربينا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فلا نشك أنهم في هذه الحال حصل لهم العلم والله يقول ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه مع هذا العلم الذوقي الذي حصل لهم قلنا لما علم الله أن هذه الدار الدنيا جعلها الله على طبيعة مخصوصة وجعل نشأة الإنسان على مزاج يقبل النسيان والغفلة وحب العاجلة ويقبل ضد هذا على حسب ما يقام فيه فعلم سبحانه أن نشأة هؤلاء الذين عينهم أنهم لو ردوا إلى الدنيا في نشأتهم التي كانوا عليها في الدنيا لعادوا إلى نسيان ما كانوا قد علموا وجعل على أعينهم غطاء على ما لو شهدوه لعلموا الأمر فعملوا له فهذا معنى لعادوا لما نهوا عنه لأن النشأة ليست إلا تلك فلو بقى لهم هذا العلم لما عادوا ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصحيح عنه أنه يؤتى في القيامة بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت نعيما قط فيقول لا والله ومعلوم أنه رأى نعيما ولكن حجبه شاهد الحال عن ذلك النعيم فنسيه وكذلك صاحب البؤس إذا غمس في الجنة غمسة يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول لا والله ما رأيت بؤسا قط فكذلك لو ردوا لكانوا بحسب النشأة والحال التي يردون فيها وأما عصاة المؤمنين فإنهم عالمون بإنفاذ الوعيد ولكن لا يعلمون فيمن فلو تعين لواحد منهم أنه هو الذي ينفذ فيه الوعيد لما قدم على سببه الذي علم أنه يحصل له إنفاذ الوعيد به وإذا جبر في اختياره فذلك لا يعلمه لأنه لا يجد ذلك من نفسه فإن الأمر في ذلك مشترك وقد تقدم هذا الكلام عليه في بعض المنازل فمن شهد الجبر في اختياره علما من طريق الكشف والشهود أتى المخالفة بحكم التقدير لا بحكم الانتهاك فكان عالما بما علم فلم يضره ذلك العمل بل هو مغفور له واعلم أن هذا القدر الذي ذكرناه في هذه المسألة هو من العلم الذي ورد فيه الخبر الذي لفظه أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله فإذا نطقوا به لم ينكره عليهم إلا أهل الغرة بالله وهذا من طريق الكشف عند أهله حديث صحيح مجمع عليه عندهم خاصة عرفوه وتحققوه فجعله كهيئة المكنون ما جعله مكنونا إذ لو كان مكنونا لانفرد به تعالى فلما لم يعلمه إلا العلماء بالله علمنا أن العلم بالله يورث العلم بما يعلمه الله فهو مستور عن العموم معلوم للخصوص ومعنى العلم بالله أنه لا يعلم فقد علمنا أن ثم ما لا يعلم على التعيين وما عداه فيمكن العلم به فأكنة هذا العلم قلوب العلماء بالله فإذا نطقوا به فيما بينهم إذ لا يصح النطق به الأعلى هذا الحد واتفق أن يكون في المجلس من ليس من أهله ولا من أهل الله فإن أهل الله هم أهل الذكر وهم العلماء بالله أنكره عليهم أهل الغرة بالله فأضاف أهليتهم إلى الغرة وهم الذين يزعمون أنهم عرفوا الله فمن العلم الذي هو كهيئة المكنون وما هو بمكنون هذا العلم فإن العلم المكنون يعلم شهودا ولا ينقال بخلاف علوم الفكر فإنها كلها تنقال فإذا حصلت أيضا لصاحب الكشف من غير فكر ولا روية فإنها تنقال من غير دليل فيقبلها منه العالم بالدليل فهذا العلم هو الذي كهيئة المكنون لأن العالم به غير عالم بالدليل فاعلم أن الديار داران دار تسكنها الأرواح الناطقة وهو البدن الطبيعي المسوى المعدل الذي خلقه الله بيديه ووجه عليه صفتيه فلما أنشأه أسكنه دارا أخرى هي دار الدار وقسم سبحانه دار الدار قسمين قسما سماه الآخرة ثم علم ما يصلح لسكنى كل دار من الساكنين الذين هم ديار النفوس الناطقة فخلق للدار الدنيا لفنائها وذهاب عينها وتبدل صورتها ووضعها وشكلها وخفاء حياتها ساكنا هو هذه الدار التي أسكنها النفس الناطقة فجعل هذه النشأة مثل دار سكناها خفية الحياة فانية ذاهبة العين متبدلة الصورة والوضع والشكل فاتصف ساكنها وهو النفس الناطقة الجهل والحجاب والشك والظن والكفر والإيمان وذلك لكثافة هذه الدار التي هي نشأته البدنية وحال بينه وبين شهود الله وجعله في حجر أمه ترضعه وتقوم به فما شهد من حين أسكن هذه النشأة سوى عين أمه حتى أنه جهل أباه بعض الساكنين ولولا أن الله من عليه بالنوم وجعل له في ذلك أمرا يسمى الرؤيا في قوة تسمى الخيال فإذا نام كأنه خرج عن هذه النشأة فنظر إليه أبوه وسربه وألقى إليه روحا آنسه وبادرت إليه الأرواح وتراءى له الحق من تنزيهه وبدا له ذلك كله في أجسام ألف شهودها من جنس دار نشأته التي فارقها بالنوم فيظن في النوم أنه في دار نشأته التي ألفها ويعرفها ويظن في كل ما يراه في تلك المواد أنها على حسب ما شهدها فهذا القدر هو الذي له في هذه النشأة الدنيا من الأنس بأبيه وإخوانه من الأرواح ومن الإنس بربه ومنهم من يتقوى في ذلك بحيث أنه يرى ذلك في يقظته وأعطاه علما سماه علم التعبير عبر به في مشاهدة تلك الصور إلى معانيها فإذا أراد الله أن يخلي هذه الدار الدنيا من هذه النشأة التي هي دار النفس الناطقة أرحل عن هذه النشأة روحها المدبر لها وأسكنه صورة برزخية من الصور التي كان يلبسها في حال النوم فإذا كان يوم القيامة وأراد الله أن ينقله إلى الدار الأخرى دار الحيوان وهي دار ناطقة ظاهرة الحياة ثابتة العين غير زائلة أنشأ لهذه النفس الناطقة دارا من جنس هذه الدار الأخرى مجانسة لها في صفتها لأنها لأنها لا تقبل ساكنا لا يناسبها فخلق نشأة بدنية طبيعية للسعداء عنصرية للأشقياء فسواها فعدلها ثم أسكنها هذه النفس الناطقة فأزال عنها حجب العمى والجهل والشك والظن وجعلها صاحبة علم ونعيم دائم وأراها أباها ففرحت به وأراها خالقها ورازقها وعرف بينها وبين إخوتها وانتظم الشمل بالأحباب وأشهدها كل شيء كان في الدار الأولى غائبا وأسكن هذه النشأة الدار الأخرى المسماة جنة منها فإنه قسم الدار الأخرى إلى منزلين هذا هو المنزل الواحد والمنزل الآخر المسمى جهنم جعل نشأة بدن أنفسها الناطقة عنصرية تقبل التغيير وأصحبها الجهل وسلب عنها العلم فأعطى جهل المؤمنين من أهل التقليد من كان من أهل هذه الدار دار الشقاء عالما بدقائق الأمور فدخل بذلك الجهل النار إذ كان من أهلها وهي لا تقبل العلماء وأعطى هذا العالم الذي كان في الدنيا عالما بدقائق الأمور ولم يكن من أهل الجنة جهل المؤمن المقلد فإن الجنة ليست بدار جهل فيرى المؤمن الأبله المقلد ما كان عليه من الجهل على ذلك العالم فيستعيذ بالله من تلك الصفة ويرى قبحها ويشكر الله على نعمته التي أعطاه إياها بما كساه وخلع عليه من علم ذلك العالم الذي هو من أهل النار وينظر إليه ذلك العالم فيزيد حسرة إلى حسرته ويعلم أن الدار أعطت هذه الحقائق لنفسها فيقول يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين لعلمهم إذ كانوا مؤمنين إن كانوا جاهلين أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة خلعت عنهم ثياب الجهالة وخلع عليهم خلع العلم فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في الدنيا لحسن العاقبة وما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى حكمها فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل فما تكلموا بما تكلموا به من هذا المتني إلا بلسان النشأة التي هم فيها وتخيلوا أن ذلك العلم يبقي عليهم وما جعل الله في هذه النشأة الدنيا النسيان للعلماء بالشيء فيما قد علموه ويعلمون أنهم قد كانوا علموا أمرا فيطلبون استحضاره فلا يجدونه بعدما كانوا عالمين به إلا إعلاما وتنبيها أنه على كل شيء قدير بأن يسلب عنهم العلم بما كانوا به عالمين إذ أدخلوا النار يختص برحمته من يشاء وهو قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وأي ملك أعظم من العلم وهو ما أعطاه من العلم للمؤمن المقلد الجاهل السعيد في الدار الآخرة وتنزع الملك ممن تشاء وأي ملك أفضل من العلم فينزعه من العالم غير المؤمن الذي هو من أهل النار وتعز من تشاء بذلك العلم وتذل من تشاء بانتزاع ذلك العلم منه . في الدار الأولى غائبا وأسكن هذه النشأة الدار الأخرى المسماة جنة منها فإنه قسم الدار الأخرى إلى منزلين هذا هو المنزل الواحد والمنزل الآخر المسمى جهنم جعل نشأة بدن أنفسها الناطقة عنصرية تقبل التغيير وأصحبها الجهل وسلب عنها العلم فأعطى جهل المؤمنين من أهل التقليد من كان من أهل هذه الدار دار الشقاء عالما بدقائق الأمور فدخل بذلك الجهل النار إذ كان من أهلها وهي لا تقبل العلماء وأعطى هذا العالم الذي كان في الدنيا عالما بدقائق الأمور ولم يكن من أهل الجنة جهل المؤمن المقلد فإن الجنة ليست بدار جهل فيرى المؤمن الأبله المقلد ما كان عليه من الجهل على ذلك العالم فيستعيذ بالله من تلك الصفة ويرى قبحها ويشكر الله على نعمته التي أعطاه إياها بما كساه وخلع عليه من علم ذلك العالم الذي هو من أهل النار وينظر إليه ذلك العالم فيزيد حسرة إلى حسرته ويعلم أن الدار أعطت هذه الحقائق لنفسها فيقول يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين لعلمهم إذ كانوا مؤمنين إن كانوا جاهلين أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة خلعت عنهم ثياب الجهالة وخلع عليهم خلع العلم فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في الدنيا لحسن العاقبة وما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى حكمها فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل فما تكلموا بما تكلموا به من هذا المتني إلا بلسان النشأة التي هم فيها وتخيلوا أن ذلك العلم يبقي عليهم وما جعل الله في هذه النشأة الدنيا النسيان للعلماء بالشيء فيما قد علموه ويعلمون أنهم قد كانوا علموا أمرا فيطلبون استحضاره فلا يجدونه بعدما كانوا عالمين به إلا إعلاما وتنبيها أنه على كل شيء قدير بأن يسلب عنهم العلم بما كانوا به عالمين إذ أدخلوا النار يختص برحمته من يشاء وهو قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وأي ملك أعظم من العلم وهو ما أعطاه من العلم للمؤمن المقلد الجاهل السعيد في الدار الآخرة وتنزع الملك ممن تشاء وأي ملك أفضل من العلم فينزعه من العالم غير المؤمن الذي هو من أهل النار وتعز من تشاء بذلك العلم وتذل من تشاء بانتزاع ذلك العلم منه . لما علمت بأن الله كلفني . . . علمت أني مسؤول ومقصد

وأنني لا أزال الدهر أعبده . . . دنيا وآخرة والحق معبود

وما تجلى لشيء من خليقته . . . إلا ويشهد أن الحق مشهود

من عين صورته لا من حقيقته . . . فالأمر والشأن موجود ومفقود

لأننا بعيون الوجه نبصره . . . وكلنا وجه والوجه محدود

هو الوجود ومن في الكون صورته . . . فليس ثم سوى الرحمن موجود

Page 239