Kitāb al-Futūḥ
كتاب الفتوح
لا حاجة إلى أمان الغدرة، ثم جعل يقاتلهم وهو يقول[ (1) ]:
أقسمت لا أقتل إلا حرا # ولو وجدت الموت كأسا مرا
أكره أن أخدع أو أغرا # كل امرئ يوما يلاقي شرا
أضربكم ولا أخاف ضرا
قال: فناداه محمد بن الأشعث وقال: ويحك يا ابن عقيل!إنك لا تكذب ولا تغر[ (2) ]، القوم ليسوا بقاتليك فلا تقتل نفسك. قال: فلم يلتفت مسلم بن عقيل رحمه الله إلى كلام ابن الأشعث وجعل يقاتل حتى أثخن بالجراح وضعف عن القتال، وتكاثروا عليه فجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة، فقال مسلم: ويلكم!ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمى الكفار!وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار، ويلكم! أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته. قال: ثم حمل عليهم على ضعفه فكسرهم وفرقهم في الدروب، ثم رجع وأسند ظهره إلى باب دار هناك، فرجع القوم إليه فصاح بهم محمد بن الأشعث: ذروه حتى أكلمه بما يريد.
قال: ثم دنا منه ابن الأشعث حتى وقف قبالته وقال: ويلك يا ابن عقيل!لا تقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي. فقال له مسلم: أتظن يا ابن الأشعث أني أعطي بيدي أبدا وأنا أقدر على القتال!لا والله لا كان ذلك أبدا!ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه. ثم رجع موضعه فوقف وقال: اللهم!إن العطش قد بلغ[ (3) ]مني.
قال: فلم يجسر أحد أن يسقيه الماء ولا قرب منه.
فأقبل ابن الأشعث على أصحابه وقال: ويلكم!إن هذا لهو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة. قال :
فحملوا عليه وحمل عليهم، فقصده من أهل الكوفة رجل يقال له بكير بن حمران الأحمري، فاختلفا بضربتين فضربه بكير ضربة على شفته العليا[ (4) ]وضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط إلى الأرض قتيلا، قال: فطعن من ورائه طعنة فسقط [ (1) ]الأرجاز في الطبري وابن الأثير ومروج الذهب باختلاف في بعض الألفاظ والتعابير.
[ (2) ]عن مروج الذهب وبالأصل «لا تعرف» .
[ (3) ]الأصل: أبلغ.
[ (4) ]في الطبري ومروج الذهب: فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا، وأشرع السيف في السفلى، ونصلت له ثنيتاه.
Page 54