Al-Fuṣūl al-ghurawiyya fī al-uṣūl al-fiqhiyya
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
Publication Year
1404 AH
المطلقة بالنسبة إلى أفراد مفهومها المطلق وفي النكرة المقيدة بالنسبة إلى أفراد مفهومها المقيد فقولك ما جاءني رجل يقتضي العموم بالنسبة إلى جميع أفراد الرجل وقولك ما جاءني رجل عالم أو لا رجل عالما في الدار يقتضي العموم بالنسبة إلى أفراد الرجل العالم لا مطلق الرجل وليس هذا عندي من باب التخصيص بل من باب التقييد لان السلب إنما يسلط على المقيد بعد أخذه مقيدا وعلى هذا فإذا قيل ليس في الدار رجل فإن أريد به فرد لا بشرط كما هو معناه الأصلي كان تعلق السلب به مستلزما لسلب جميع ما يصدق عليه هذا المفهوم وهو جميع الافراد وامتنع قولك بل رجلان أو بل رجال لأنهما يشتملان على فرد لا بشرط فنفيه بلا وإثباته ببل تناقض وإن أريد به فرد بشرط لا أي بشرط عدم الزيادة كان تعلق السلب به مستلزما لنفي كل فرد بشرط لا لا مطلق الفرد لما عرفت من أن عموم النكرة المنفية على حسب إطلاقها وتقييدها فإذا كان المنفي مقيدا بشرط لا فلا جرم يكون العموم على حسبه وصح حينئذ قولك بل رجلان أو بل رجال ولا تناقض لأنهما لا يشتملان على مدلول فرد بشرط عدم الزيادة بل بشرطها فظهر أن النكرة في سياق النفي نص في العموم مطلقا من غير فرق بين أدواته ومواردها وبطل فرقهم بين لا النافية للجنس وبين باقي أدوات السلب إذا دخلت على غير الألفاظ المذكورة حيث جعلوا الأول نصا في العموم كغيره من أدوات السلب الداخلة على الألفاظ المذكورة والثاني ظاهرا فيه مستندين فيه بامتناع عطف المثنى والجمع ببل على الأول دون الثاني وذلك لأنهم إن أرادوا أن مدلول المنفي عند العطف فرد لا بشرط فهو خطاب ظاهر مما بينا وإن أرادوا أن مدلوله فرد بشرط لا فإن أرادوا أنه حينئذ لا يقتضي العموم بالنسبة إلى كل ما يصدق عليه أنه فرد بشرط لا فمخالف لما يشهد به صريح العرف بل العقل أيضا فإن فردا بشرط لا مأخوذ لا بشرط فنفيه يقتضي نفي جميع آحاده وإن أرادوا أنه لا يقتضيه بالنسبة إلى مطلق أفراد الرجل ففيه أن المنفي حينئذ ليس المطلق بل المقيد وعموم النكرة المنفية ليس على الاطلاق بل على حسب إطلاق مفهومها وتقييده من غير فرق بين النافية للجنس وما بمعناها وبين غيرها نعم فرق بينهما باعتبار آخر وهو أن التي لنفي الجنس لا تدل إلا على الجنس دون الفرد سواء اعتبر لا بشرط أو بشرط لا ومن هنا امتنع عطف المثنى والمجموع عليها ببل لان ذلك إنما يصح إذا كان المنفي فردا بشرط لا وأما غيرها فيصلح لنفي الجنس والفرد بالاعتبارين فيصح أن يعطف عليها بالمذكور فالوجه أن يحمل كلامهم على أن التي لنفي الجنس وما بمعناها صريحة في عموم النفي بالنسبة إلى أفراد مدخولها وما عداها ظاهر فيه وإن كان صريحا في العموم في الجملة ثم إنهم خصوا حكم الوقوع في سياق النفي بالنكرة مع أن كثيرا من المعارف أيضا يفيد العموم في سياق النفي كالموصول في قولك لا تهن من يكرمك والجمع المعرف في قولك لا تهن العلماء ونحو ذلك فنقول ليس المقصود تخصيص الحكم المذكور بالنكرة حتى يلزم منه أن لا يكون مثل هذه المعرفة في سياق النفي للعموم كيف وقد حكموا بأنها للعموم من غير تخصيص لها بسياق الاثبات بل المقصود أن إفادة النكرة للعموم يختص بما إذا وقعت في سياق النفي حتى إنها إذا وقعت في سياق الاثبات لم يفده وضعا بشهادة العرف والاستعمال وأما احتجاج بعض المعاصرين عليه بعدم صحة الاستثناء منه مطردا فضعيف لان الاستثناء إنما يطرد فيما لولاه لوجب دخوله كما في العام الشمولي فلا فيما لولاه لجاز دخوله كما في العام البدلي وإن أراد بمجرد الجواز فعدم اطراده مطلقا حتى إذا وقع في سياق النشاء ممنوع نعم ينبغي أن يفسر النكرة في العنوان بما يكون نكرة بحسب المعنى أعني ما دل على الطبيعة المجردة أو المأخوذة باعتبار كونها متحدة مع فرد لا على التعيين فيخرج مثل كل في قولك ما رأيت كل رجل فإن مدلوله المقيد بالرجل معنى معين لا يقبل الابهام والاشتراك و يدخل فيه العهد الذهني والعلم الجنسي إذا أخذ باعتبار فرد لا بعينه والمضاف إلى أحدهما فإن وقوعها في سياق النفي يوجب العموم فإن المفهوم من قولك لا ندخل السوق ولا تدن من أسامة ونحو ذلك هو العموم وبهذا التوجيه يستقيم حصرهم صيغ العموم فيما مر بالنسبة إلى ذلك وكذا الحال في المعرف بلام الجنس فإنه إذا وقع في سياق النفي دل على العموم أيضا نحو لا توجد القتل ولا تفعل الزنا و لا تصنع الظلم ونحو ذلك فإنه لا يصدق نفي جنس إلا بنفي جميع أفراده ويلحق بالنفي النهي لأنه طلبه فيشتمل عليه و الاستفهام الانكاري لرجوعه إلى النفي وكذلك نحو كف واحذر و اجتنب مما يفيد مفاد النفي وقد يلحق به الشرط أيضا وهو حسن إن أفاد العموم كمتى ومهما فإنهما كما يفيدان عموم الأزمان كذلك يفيدان عموم ما يقع في سياقهما من فعل الشرط وتوابعه فقولنا متى جاءك رجل فأكرمه يتناول جميع أفراد المجئ والرجل ولا يبعد تعميم الحكم إلى وقوع النكرة في سياق سائر ألفاظ العموم فإنها تعم أفرادها تبعا لعموم العام لافراده ولا فرق فيما مر بين تعلق السلب وشبهه بالنكرة أو بما تعلق بها ولو بواسطة أو وسائط فيدخل مثل لفظ فاسق في قولك لا تكرم عالما تراه جليسا لفاسق ثم الجمع المنكر إذا وقع في سياق النفي وشبهه كان حكمه حكم المفرد فيفيد العموم بحسب الجماعات دون الافراد وكذلك المثنى ولهذا قيل عموم المفرد في النفي أشمل من عموم المثنى وعمومه أشمل من عموم الجمع وذلك لان السلب الوارد على المفرد ظاهر أو نص في نفي الآحاد المستلزم لنفي المثنى والجمع بخلاف نفي الجمع فإنه لا يستلزم نفي المفرد والمثنى وبخلاف نفي المثنى فإنه لا يستلزم نفي المفرد ويستلزم بظاهره نفي الجمع كالمفرد فصل اختلفوا في أن الألفاظ التي وضعت للخطاب كيا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا هل يكون خطابا لغير الموجودين ويعمهم بصيغته أو لا ذهبت الحنابلة على ما حكي عنهم إلى الأول والمعروف بين أصحابنا هو الثاني وعليه أكثر أهل الخلاف والمراد بغير الموجودين غير الموجودين في زمن الخطاب كما هو الظاهر وربما فسر بغير الموجودين في مهابط الوحي وله وجه إلا أن ظاهر اللفظ المذكور و الأدلة الآتية لهم لا تساعد عليه ولنحرر أولا محل البحث فنقول نزاعهم في المقام يحتمل وجوها الأول أن يكون في جواز تعلق الخطاب بمعناه الحقيقي بالمعدومين
Page 179