803

Al-Fuṣūl fī al-uṣūl

الفصول في الأصول

Publisher

وزارة الأوقاف الكويتية

Edition

الثانية

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

الكويت

اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ قَالَ هَذِي سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْبَى أَنْ يُوجِبَ بِمِثْلِهِ حُكْمًا، حَتَّى يَحْكِيَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ الْمَعَانِي، فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ، وَنَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا تَأْوِيلُهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمُ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ثَابِتٌ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَمِمَّنْ يُوثَقُ بِضَبْطِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَهُوَ يَعْرِفُ مَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ، مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ.
فَلَوْ كَانَ مَصْدَرُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَهُ عَنْ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَبَيَّنَ حِكَايَةَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ عَلَى إجْمَالِ ذِكْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلِمْنَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَا حَكَيْنَاهُ. وَلَوْ سَاغَ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَائِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ إذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَيْتَ وَكَيْتَ "، لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرْوِي نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى نَقْلَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، فَيَجُوزُ عَلَى مَوْضُوعِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا إنَّمَا حَكَى مَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇، لَا لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ ﵀ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، فَلَمَّا أَبْطَلَ ذَلِكَ. وَكَانَ قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَذَا. مَحْمُولًا عَلَى حِكَايَةِ لَفْظٍ وَحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ، وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا: وَنَهَانَا عَنْ كَذَا، وَسَنَّ لَنَا كَذَا، عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ " كَأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ بِعَيْنِهِ.
وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَكْتَفِي فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْكَامَهُ، وَسَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِسَمَاعِ هَذَا اللَّفْظِ، فِيمَا يَزِيدُ مَعْرِفَةً مِنْ

3 / 199